بها الآخرة.ولهم - حينئذ - فضل من اللّه عظيم في كلتا الحالتين:سواء من يقتل في سبيل اللّه ومن يغلب في سبيل اللّه أيضا: «وَمَنْ يُقاتِلْ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ - فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ،فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» ..
بهذه اللمسة يتجه المنهج القرآني إلى رفع هذه النفوس وإلى تعليقها بالرجاء في فضل اللّه العظيم،في كلتا الحالتين.وأن يهوّن عليها ما تخشاه من القتل،وما ترجوه من الغنيمة كذلك! فالحياة أو الغنيمة لا تساوي شيئا إلى جانب الفضل العظيم من اللّه.كما يتجه إلى تنفيرها من الصفقة الخاسرة إذا هي اشترت الدنيا بالآخرة ولم تشتر الآخرة بالدنيا (ولفظ يشري من ألفاظ الضد فهي غالبا بمعنى يبيع) فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض.وأين الدنيا من الآخرة؟ وأين غنيمة المال من فضل اللّه؟ وهو يحتوي المال - فيما يحتويه - ويحتوي سواه؟!
ثم يلتفت السياق إلى المسلمين.يلتفت من أسلوب الحكاية والتصوير عن أولئك المبطئين إلى أسلوب الخطاب للجماعة المسلمة كلها.يلتفت إليها لاستجاشة مروءة النفوس،وحساسية القلوب تجاه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين كانوا يقاسون في مكة ما يقاسون على أيدي المشركين غير قادرين على الهجرة إلى دار الإسلام والفرار بدينهم وعقيدتهم وهم يتطلعون إلى الخلاص،ويدعون اللّه أن يجعل لهم مخرجا من دار الظلم والعدوان ..يلتفت هذه الالتفاتة ليوحي إليهم بسمو المقصد،وشرف الغاية،ونبل الهدف،في هذا القتال،الذي يدعوهم أن ينفروا إليه،غير متثاقلين ولا مبطئين.وذلك في أسلوب تحضيضي يستنكر البطء والقعود: «وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ.الَّذِينَ يَقُولُونَ:رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها،وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا،وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا؟» ..
وكيف تقعدون عن القتال في سبيل اللّه واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم،وكرامة المؤمن،ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق؟
هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم،والفتنة في دينهم.والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض،لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني،الذي تتبعه كرامة النفس والعرض،وحق المال والأرض! ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف،مشهد مؤثر مثير.لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد.
وهو وحده يكفي.لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات ..وهو أسلوب عميق الوقع،بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس.