مرسومة،كتقدير هذه الأحوال المتعاقبة على الكون من الشفق،والليل وما وسق،والقمر إذا اتسق.حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم،الذي تحدثت عنه الفقرة السالفة ..وهذا التتابع المتناسق في فقرات السورة،والانتقال اللطيف من معنى إلى معنى،ومن جولة إلى جولة،هو سمة من سمات هذا القرآن البديع.
وفي ظل هذه اللمحات الأخيرة،والمشاهد والجولات السابقة لها في السورة،يجيء التعجيب من أمر الذين لا يؤمنون.وأمامهم هذا الحشد من موحيات الإيمان ودلائله في أنفسهم وفي الوجود: «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ؟» ..أجل! فما لهم لا يؤمنون؟
إن موحيات الإيمان في لمحات الوجود،وفي أحوال النفوس،تواجه القلب البشري حيثما توجه وتتكاثر عليه أينما كان.وهي من الكثرة والعمق والقوة والثقل في ميزان الحقيقة بحيث تحاصر هذا القلب لو أراد التفلت منها.بينما هي تناجيه وتناغيه وتناديه حيثما ألقى بسمعه وقلبه إليها! «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ؟» وهو يخاطبهم بلغة الفطرة،ويفتح قلوبهم على موحيات الإيمان ودلائله في الأنفس والآفاق.ويستجيش في هذه القلوب مشاعر التقوى والخشوع والطاعة والخضوع لبارئ الوجود ..وهو «السجود» ..
إن هذا الكون جميل.وموح.وفيه من اللمحات والومضات واللحظات والسبحات ما يستجيش في القلب البشري أسمى مشاعر الاستجابة والخشوع.
وإن هذا القرآن جميل.وموح.وفيه من اللمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل،وببارئ الوجود الجليل.ويسكب فيه حقيقة الكون الكبيرة الموحية بحقيقة خالقه العظيم .. «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ؟» ..إنه لأمر عجيب حقا.يضرب عنه السياق ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار،وما ينتظرهم من مآل: «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ.وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ.فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» ..
بل الذين كفروا يكذبون.يكذبون إطلاقا.فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل.واللّه أعلم بما يكنون في صدورهم،ويضمون عليه جوانحهم،من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب ..
ويترك الحديث عنهم،ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم: «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» ..ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير! وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون،فيستعدون بالعمل الصالح لما يستقبلون.ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» ..