عرض الحياة الدنيا الذي ضرب اللّه له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين.وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار،ويرون أيادي الأبرار منه خالية أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء،وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء.واللّه يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس.ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده.والقلب المؤمن يطمئن لاختيار اللّه للأبرار وللفجار.
وأولئك الذين كانوا يعترضون على اختيار اللّه لرجل لم يؤت شيئا من عرض هذه الحياة الدنيا ويقيسون الرجال بما يملكون من رياسة،أو بما يملكون من مال.يرون من هذه الآيات هوان هذه الأعراض وزهادتها عند اللّه.وأنها مبذولة لشر خلق اللّه وأبغضهم عند اللّه.فهي لا تدل على قربى منه ولا تنبئ عن رضى،ولا تشي باختيار!
وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها ويكشف عن سنن اللّه في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة ويقرر حقيقة القيم كما هي عند اللّه ثابتة.وذلك في صدد الرد على المعترضين على رسالة محمد واختياره.واطراح العظماء المتسلطين! وهكذا يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير ولا تؤثر فيها تطورات الحياة،واختلاف النظم،وتعدد المذاهب،وتنوع البيئات.فهناك سنن للحياة ثابتة،تتحرك الحياة في مجالها ولكنها لا تخرج عن إطارها.والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة،لا يفطنون لهذا القانون الإلهي،الذي يجمع بين الثبات والتغير،في صلب الحياة وفي أطوار الحياة ويحسبون أن التطور والتغير،يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها.ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر.فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته!
فأما نحن - أصحاب العقيدة الإسلامية - فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره اللّه من وجود الثبات والتغير متلازمين في كل زاوية من زوايا الكون،وفي كل جانب من جوانب الحياة.وأقرب ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس،وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات ..وهذا التلازم مطرد في غير هذا المثال [1] .
ولما بين زهادة أعراض الحياة الدنيا وهوانها على اللّه وأن ما يعطاه الفجار منها لا يدل على كرامة لهم عند اللّه،ولا يشير إلى فلاح وأن الآخرة عند ربك للمتقين،استطرد يبين مصير أولئك الذين قد ينالون تلك الأعراض،وهم عمي عن ذكر اللّه،منصرفون عن الطاعات التي تؤهلهم لرزق الآخرة المعد للمتقين:«وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ.وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
(1) - فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان .. «بحث لم يتم للمؤلف» .. ( السيد رحمه الله )