ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها،وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفا وندما،وجلال اللّه يظلل الموقف،حيث تتوارى قدرة الإنسان ..
وأمام هذا المشهد يضرب مثلا للحياة الدنيا كلها.فإذا هي كتلك الجنة المضروبة مثلا قصيرة قصيرة،لا بقاء لها ولا قرار: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ،فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ،وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا» ..
هذا المشهد يعرض قصيرا خاطفا ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال.فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل ولكن يختلط به نبات الأرض.والنبات لا ينمو ولا ينضج،ولكنه يصبح هشيما تذروه الرياح.وما بين ثلاث جمل قصار،ينتهي شريط الحياة.
ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد.بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء: «كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ» فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة! وبعد أن يلقي مشهد الحياة الذاهبة ظله في النفس يقرر السياق بميزان العقيدة قيم الحياة التي يتعبدها الناس في الأرض،والقيم الباقية التي تستحق الاهتمام: « الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا،وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا،وَخَيْرٌ أَمَلًا» ..المال والبنون زينة الحياة والإسلام لا ينهى عن المتاع بالزينة في حدود الطيبات.ولكنه يعطيهما القيمة التي تستحقها الزينة في ميزان الخلود ولا يزيد.إنهما زينة ولكنهما ليسا قيمة.فما يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا على أساسهما في الحياة.إنما القيمة الحقة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات.
وإذا كان أمل الناس عادة يتعلق بالأموال والبنين فإن الباقيات الصالحات خير ثوابا وخير أملا.عند ما تتعلق بها القلوب،ويناط بها الرجاء،ويرتقب المؤمنون نتاجها وثمارها يوم الجزاء.
وهكذا يتناسق التوجيه الإلهي للرسول - صلى الله عليه وسلم - في أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم في الغداة والعشي يريدون وجهه.مع إيحاء قصة الجنتين.مع ظل المثل المضروب للحياة الدنيا.مع هذا التقرير الأخير للقيم في الحياة وما بعد الحياة ..وتشترك كلها في تصحيح القيم بميزان العقيدة.وتتساوى كلها في السورة وفق قاعدة التناسق الفني والتناسق الوجداني في القرآن [1] .
(1) - يراجع فصل «التناسق الفني» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )