فهرس الكتاب

الصفحة 2720 من 4997

خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان،ولكنه لا يموت،ليستكمل عذابه.ومن ورائه عذاب غليظ ..

إنه مشهد عجيب،يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروّع الفظيع.

وتشترك كلمة «غليظ» في تفظيع المشهد،تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين.

الدرس الرابع:18 - 20 صورة عن خسارة الكفار وقدرة الله المطلقة

وفي ظل هذا المصير يجيء التعقيب مثلا مصورا في مشهد يضرب الذين كفروا ولفتة إلى قدرة اللّه على أن يذهب المكذبين ويأتي بخلق جديد ..ذلك قبل أن يتابع مشاهد الرواية في الساحة الأخرى،وقد أسدل الستار على فصلها الأخير في هذه الأرض،مخايلا بالساحة الأخرى: « مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ.لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيء.ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» ..

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود،يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى،لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها،ولا الانتفاع به أصلا.يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك،فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا.هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار.فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان،ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث،وتصل الباعث باللّه ..مفككة كالهباء والرماد،لا قوام لها ولا نظام.فليس المعول عليه هو العمل،ولكن باعث العمل.فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية.

وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة،وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر.ويلتقي معهما التعقيب: «ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» ..

فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف ..إلى بعيد!!

ثم يلتقي مع مشهد الرماد المتطاير ظل آخر في الآية التالية،التي يلتفت فيها السياق من مصائر المكذبين السابقين إلى المكذبين من قريش،يهددهم بإذهابهم والإتيان بخلق جديد: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ.وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ» ..

والانتقال من حديث الإيمان والكفر،ومن قضية الرسل والجاهلية إلى مشهد السماوات والأرض ..هو انتقال طبيعي في المنهج القرآني كما أنه انتقال طبيعي في مشاعر الفطرة البشرية يدل على ربانية هذا المنهج القرآني ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت