هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر،بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة.وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة،كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين،يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه ويقول له: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟» ..ثم يرسله بعد الضغط والهز ويقول له: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟» .
ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكية شتى.فهي مشهد من مشاهد القيامة في المطلع.ومشهد من هذه المشاهد في الختام.وبينهما عرض سريع لمصارع قوم نوح.وعاد وثمود.وقوم لوط.وفرعون وملئه.وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى ..
ولكن هذه الموضوعات ذاتها تعرض في هذه السورة عرضا خاصا،يحيلها جديدة كل الجدة.فهي تعرض عنيفة عاصفة،وحاسمة قاصمة يفيض منها الهول،ويتناثر حولها الرعب،ويظللها الدمار والفزع والانبهار! وأخص ما يميزها في سياق السورة أن كلا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة.يشهدها المكذبون،وكأنما يشهدون أنفسهم فيها،ويحسون إيقاعات سياطها.فإذا انتهت الحلقة وبدأوا يستردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولا ورعبا ..وهكذا حتى تنتهي الحلقات السبعة في هذا الجو المفزع الخانق.فيطل المشهد الأخير في السورة.وإذا هو جو آخر،ذو ظلال أخرى.وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة.إنه مشهد المتقين: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ.فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» ..
في وسط ذلك الهول الراجف،والفزع المزلزل،والعذاب المهين للمكذبين: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ» ..فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من مصير؟
[سورة القمر (54) :الآيات 1 إلى 55]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ