تشير هذه السورة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة،عظيم الدلالة على رعاية اللّه لهذه البقعة المقدسة التي اختارها اللّه لتكون ملتقى النور الأخير،ومحضن العقيدة الجديدة،والنقطة التي تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض،وإقرار الهدى والحق والخير فيها ..
وجملة ما تشير إليه الروايات المتعددة عن هذا الحادث،أن الحاكم الحبشي لليمن - في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة بعد طرد الحكم الفارسي منها - وتسميه الروايات: «أبرهة» ،كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم ملك الحبشة وجمع لها كل أسباب الفخامة،على نية أن يصرف بها العرب عن البيت الحرام في مكة،وقد رأى مبلغ انجذاب أهل اليمن الذين يحكمهم إلى هذا البيت،شأنهم شأن بقية العرب في وسط الجزيرة وشماليها كذلك.وكتب إلى ملك الحبشة بهذه النية ..
ولكن العرب لم ينصرفوا عن بيتهم المقدس،فقد كانوا يعتقدون أنهم أبناء إبراهيم وإسماعيل صاحبي هذا البيت،وكان هذا موضع اعتزازهم على طريقتهم بالفخر بالأنساب.وكانت معتقداتهم - على تهافتها - أفضل في نظرهم من معتقدات أهل الكتاب من حولهم،وهم يرون ما فيها من خلل واضطراب وتهافت كذلك.
عندئذ صح عزم «أبرهة» على هدم الكعبة ليصرف الناس عنها وقاد جيشا جرارا تصاحبه الفيلة،وفي مقدمتها فيل عظيم ذو شهرة خاصة عندهم.فتسامع العرب به وبقصده.وعز عليهم أن يتوجه لهدم كعبتهم.فوقف في طريقه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر،فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن البيت الحرام،فأجابه إلى ذلك من أجابه.ثم عرض له فقاتله،ولكنه هزم وأخذه أبرهة أسيرا.
ثم وقف له في الطريق كذلك نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلتين من العرب ومعهما عرب كثير،فهزمهم كذلك وأسر نفيلا،الذي قبل أن يكون دليله في أرض العرب.حتى إذا مر بالطائف خرج إليه رجال من ثقيف فقالوا له:إن البيت الذي يقصده ليس عندهم إنما هو في مكة.وذلك ليدفعوه عن بيتهم الذي بنوه للّات! وبعثوا معه من يدله على الكعبة! فلما كان أبرهة بالمغمس بين الطائف ومكة،بعث قائدا من قواده حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم،فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم،وهو يومئذ كبير قريش وسيدها.
فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله.ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك.