هؤلاء المجرمون الذين وقفوا ذلك الموقف كانوا يعرفون أن الشيطان عدو لهم،ولكنهم تولوه فقادهم إلى ذلك الموقف العصيب فما أعجب أن يتولوا إبليس وذريته وهم لهم عدو منذ ما كان بين آدم وإبليس: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي،وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ،بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» .
وهذه الإشارة إلى تلك القصة القديمة تجيء هنا للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون ذرية إبليس أولياء من دون اللّه بعد ذلك العداء القديم.
واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة.ولماذا يتولون أعداءهم هؤلاء،وليس لديهم علم ولا لهم قوة فاللّه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه.واللّه لا يتخذهم عضدا فتكون لهم قوة: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ،وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» ..إنما هو خلق من خلق اللّه،لا يعلمون غيبه،ولا يستعين بهم سبحانه .. «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» فهل يتخذ اللّه سبحانه غير المضلين عضدا؟
وتعالى اللّه الغني عن العالمين،ذو القوة المتين ..إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها.
فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع اللّه،إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا،وقوة خارقة.والشيطان مضل،واللّه يكره الضلال والمضلين.فلو أنه - على سبيل الفرض والجدل - كان متخذا له مساعدين،لما اختارهم من المضلين! وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير ..
ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين: «وَيَوْمَ يَقُولُ:نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ.فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ.وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا.وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها،وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا» ..
إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان.والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا،ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا ..وإنهم لفي ذهول ينسون أنها الآخرة،فينادون.لكن الشركاء لا يجيبون! وهم بعض خلق اللّه الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا في الموقف المرهوب.وقد جعل اللّه بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء ..إنها النار «وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا» .ويتطلع المجرمون،فتمتلىء نفوسهم بالخوف والهلع،وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها.وما أشق توقع العذاب وهو حاضر،وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص: «وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها،وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا»