فظاهر أن إسلام الكائنات الكونية هو إسلام الخضوع للأمر،واتباع النظام،وطاعة الناموس ..ومن ثم تتجلى عناية اللّه - سبحانه - ببيان معنى الإسلام وحقيقته في كل مناسبة.كي لا يتسرب إلى ذهن أحد أنه كلمة تقال باللسان،أو تصديق يستقر في القلب،ثم لا تتبعه آثاره العملية من الاستسلام لمنهج اللّه،وتحقيق هذا المنهج في واقع الحياة.
وهي لفتة ذات قيمة قبل التقرير الشامل الدقيق الأكيد: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ،وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» ..
إنه لا سبيل - مع هذه النصوص المتلاحقة - لتأويل حقيقة الإسلام،ولا لليّ النصوص وتحريفها عن مواضعها لتعريف الإسلام بغير ما عرفه به اللّه،الإسلام الذي يدين به الكون كله.في صورة خضوع للنظام الذي قرره اللّه له ودبره به.
ولن يكون الإسلام إذن هو النطق بالشهادتين،دون أن يتبع شهادة أن لا إله إلا اللّه معناها وحقيقتها.وهي توحيد الألوهية وتوحيد القوامة.ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه.ودون أن يتبع شهادة أن محمدا رسول اللّه معناها وحقيقتها.وهي التقيد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة،واتباع الشريعة التي أرسله بها،والتحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد.
ولن يكون الإسلام إذن تصديقا بالقلب بحقيقة الألوهية والغيب والقيامة وكتب اللّه ورسله ..دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي،وحقيقته الواقعية التي أسلفنا ..
ولن يكون الإسلام شعائر وعبادات،أو إشراقات وسبحات،أو تهذيبا خلقيا وإرشادا روحيا ..دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول باللّه الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر،والإشراقات والسبحات،والذي تستشعر القلوب تقواه فتتهذب وترشد ..فإن هذا كله يبقى معطلا لا أثر له في حياة البشر ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء.
هذا هو الإسلام كما يريده اللّه ولا عبرة بالإسلام كما تريده أهواء البشر في جيل منكود من أجيال الناس! ولا كما تصوره رغائب أعدائه المتربصين به،وعملائهم هنا أو هناك! فأما الذين لا يقبلون الإسلام على النحو الذي أراده اللّه،بعد ما عرفوا حقيقته،ثم لم تقبلها أهواؤهم،فهم في الآخرة من الخاسرين.ولن يهديهم اللّه،ولن يعفيهم من العذاب: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ،وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ،وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ.وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ» ..
وهي حملة رعيبة يرجف لها كل قلب فيه ذرة من إيمان ومن جدية الأمر في الدنيا وفي الآخرة سواء.
وهو جزاء حق لمن تتاح له فرصة النجاة،ثم يعرض عنها هذا الإعراض.