بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)
«حم.تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ.وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها،وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ،آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..
يذكر الحرفين: «حا.ميم» ويذكر بعدهما تنزيل الكتاب من اللّه العزيز الحكيم.وفيهما دلالة على مصدر الكتاب،كما أسلفنا الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور.من ناحية أن هذا الكتاب المعجز مصوغ من مثل هذه الأحرف،وهم لا يقدرون على شيء منه،فهذه دلالة قائمة على أن تنزيل هذا الكتاب من اللّه «الْعَزِيزِ» القادر الذي لا يعجزه شيء. «الْحَكِيمِ» الذي يخلق كل شيء بقدر،ويمضي كل أمر بحكمة.وهو تعقيب يناسب جو السورة وما تتعرض له من ألوان النفوس.
وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب يشير إلى آيات اللّه المبثوثة في الكون من حولهم.وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلى الإيمان.ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها،وتستجيش فيها الحساسية باللّه منزل هذا الكتاب.،وخالق هذا الكون العظيم: «إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيء دون شيء،ولا حال دون حال.فحيثما مد الإنسان ببصره وجد آيات اللّه تطالعه في هذا الكون العجيب ..وأي شيء ليس آية؟
هذه السماوات بأجرامها الضخمة،وأفلاكها الهائلة،وهي - على ضخامتها - مبعثرة كالنثار الصغير في الفضاء ..الفضاء الهائل الرهيب ..الجميل ..!
ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة واطراد وتناسق ..تناسق جميل لا تشبع العين من النظر إليه،ولا يشبع القلب من تمليه! وهذه الأرض الواسعة العريضة بالقياس إلى البشر،وهي ذرة،أو هباءة بالقياس إلى النجوم الكبيرة.