وهنا كذلك يستجيش الوجدان والضمير بعد النهي والتحذير: «ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ.وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..
والإيمان باللّه واليوم الآخر هو الذي يجعل هذه الموعظة تبلغ إلى القلوب.حين تتعلق هذه القلوب بعالم أرحب من هذه الأرض وحين تتطلع إلى اللّه ورضاه فيما تأخذ وما تدع ..والشعور بأن اللّه يريد ما هو أزكى وما هو أطهر من شأنه أن يستحث المؤمن للاستجابة،واغتنام الزكاة والطهر.لنفسه وللمجتمع من حوله.ولمس القلب بأن الذي يختار له هذا الطريق هو اللّه الذي يعلم ما لا يعلمه الناس من شأنه أن يسارع به إلى الاستجابة كذلك في رضى وفي استسلام.
وهكذا يرفع الأمر كله إلى أفق العبادة،ويعلقه بعروة اللّه،ويطهره من شوائب الأرض،وأدران الحياة،وملابسات الشد والجذب التي تلازم جو الطلاق والفراق ..
والحكم التالي يتعلق برضاع الأطفال بعد الطلاق ..
إن دستور الأسرة لا بد أن يتضمن بيانا عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوجين بعد الطلاق.علاقة النسل الذي ساهم كلاهما فيه،وارتبط كلاهما به فإذا تعذرت الحياة بين الوالدين فإن الفراخ الزغب لا بد لها من ضمانات دقيقة مفصلة،تستوفي كل حالة من الحالات: « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ.وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها.لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ.وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما.وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ - إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ - وَاتَّقُوا اللَّهَ،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..
إن على الوالدة المطلقة واجبا تجاه طفلها الرضيع.واجبا يفرضه اللّه عليها ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها الخلافات الزوجية،فيقع الغرم على هذا الصغير.إذن يكفله اللّه ويفرض له في عنق أمه.فاللّه أولى بالناس من أنفسهم،وأبر منهم وأرحم من والديهم.واللّه يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل .. «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لينمو الطفل نموا سليما من الوجهتين الصحية والنفسية.ولكن نعمة اللّه على الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم.
فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل،واللّه رحيم بعباده.وبخاصة بهؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية.