التي ترزقهم هذا الرزق.لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة.لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء،وإلا بالتجديف على اللّه،والافتراء عليه،دون تثبت ولا يقين! [1]
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا:بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا» ..وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام،وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه،وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لا يقره الإسلام.أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ما عندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلا ..سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شيء في أمر العقيدة من غير اللّه وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك: «أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ» .
أو لو كان الأمر كذلك،يصرون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم؟ فأي جمود هذا وأي تقليد؟! ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود،صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها،بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا يعني! بل هم أضل من هذه البهيمة،فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح،وهم صم بكم عمي: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً.صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ! صم بكم عمي.ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون.ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون.فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خلقت لها،وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون.وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره،ويغلق منافذ المعرفة والهداية،ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة ..
وهنا يتجه بالحديث - خاصة - إلى الذين آمنوا.يبيح لهم الأكل من طيبات ما رزقهم.ويوجههم إلى شكر المنعم على نعمه.ويبين لهم ما حرم عليهم،وهو غير الطيبات التي أباحها لهم.ويندد بالذين يجادلونهم في هذه الطيبات والمحرمات من اليهود.وهي عندهم في كتابهم:« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ،وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا،أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ،وَلا
(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:تُلِيَتِ الْآيَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا،فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ .فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"يَا سَعْدُ،أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ،وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ،إِنَّ الْعَبْدَ يَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ الْعَمَلُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا،وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ"
مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنْبَعُ الْفَوَائِدِ ط مكتبة القدسي [21 /278] ( 18101) والمعجم الأوسط للطبراني [14 /261] (6683 ) ضعيف
السُّحت:الحَرَام الذي لا يَحِلُّ كسْبُه؛ لأنه يَسْحَت البركة:أي يُذْهبها،والسَّحت من الإهْلاك والاستِئصال.