وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع وتوقظ أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد اللّه الأول وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ولا تخلد إلى الأرض أبدا.
ويقدمه منهجا للنظر والتدبر يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر،لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء،وثقلة الأبدان،وإغواء الشيطان! ويقدمه ميزانا للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم،وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحا لتمضي فيه وما رفضه هذا الميزان كان خاطئا يجب الإقلاع عنه.
ويقدمه منهجا للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة. وفق خطاه هو ووفق تقديراته .. وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم،وأصول شريعتهم،وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم. ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية،وعلومهم الكونية والنفسية،وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية .. يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها،وجدية الشريعة وواقعيتها واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها.
هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية .. أما الدراسة النظرية لمجرد الدراسة،فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض ودفعة الهوى وإغواء الشيطان ولا يقدم للحياة البشرية خيرا ! [1]
قال رحمه الله:"لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة ..كان لليهود في يثرب مركز ممتاز بسبب أنهم أهل كتاب بين الأميين من العرب - الأوس والخزرج - ومع أن مشركي العرب لم يظهروا ميلا لاعتناق ديانة أهل الكتاب هؤلاء،إلا أنهم كانوا يعدونهم أعلم منهم وأحكم بسبب ما لديهم من كتاب.ثم كان هنالك ظرف موات لليهود فيما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام - وهي البيئة التي يجد اليهود دائما لهم فيها عملا! - فلما أن جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا جميعا ..فلقد جاء بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه.ثم إنه أزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد وجر المغانم،ووحد الصف الإسلامي الذي ضم الأوس والخزرج،وقد أصبحوا منذ اليوم يعرفون بالأنصار،إلى المهاجرين،وألف منهم جميعا ذلك المجتمع المسلم المتضام المتراص الذي لم تعهد له البشرية من قبل ولا من بعد نظيرا على الإطلاق."
ولقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب اللّه المختار،وأن فيهم الرسالة والكتاب.فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما.فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته،وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب! فلما وجدوه يدعوهم - أول من
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [3 /1399]