هم الغالبون ..ووعد اللّه القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق! وأن الولاء للّه ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد اللّه في نهاية الطريق!
وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة،لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين،ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم.مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي وفي الحركة الإسلامية على السواء ..
وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر،وطريق التخويف من أن يأتي اللّه بالفتح أو أمر من عنده،فينكشف ستر المنافقين ..وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة.ممن يحبهم اللّه ويحبونه وطريق الوعد بالنصر لحزب اللّه الغالب ..
فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا.ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار،وينوط هذا النهي بتقوى اللّه ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا - مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ - أَوْلِياءَ،وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا.ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» ..
وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه،وأهينت عبادته،وأهينت صلاته،واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب ..فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة ويرتكبونها لنقص في عقولهم.فما يستهزئ بدين اللّه وعبادة المؤمنين به،إنسان سويّ العقل فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان باللّه.
وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات،لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله.فالوجود كله يوحي بأن له إلها يستحق العبادة والتعظيم.والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك،فلا يتخذها هزوا ولعبا وهو صحيح مستقيم.
ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار،كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب،في الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها على قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - للجماعة المسلمة في ذلك الحين.ولم نعرف من السيرة أن هذا كان يقع من النصارى ..ولكن اللّه - سبحانه - كان يضع للجماعة المسلمة قاعدة تصورها ومنهجها وحياتها الدائمة.وكان اللّه - سبحانه - يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين.وها نحن أولاء رأينا ونرى أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة