عدوهم في ميزان اللّه وهو الحق وأنها تعريف للمؤمنين بهذه الحقيقة لتطمئن قلوبهم،وتثبت أقدامهم وليست أحكاما تشريعية - فيما نرجح - واللّه أعلم بما يريد.
ومن التحريض على القتال ينتقل السياق إلى بيان حكم الأسرى - بمناسبة تصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في أسرى بدر - وإلى الحديث إلى هؤلاء الأسرى وترغيبهم في الإيمان وما وراءه من حسن العوض عما فاتهم وعما لحقهم من الخسارة في الموقعة: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ،تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ،وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا،وَاتَّقُوا اللَّهَ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى:إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ،وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا،ثُمّ قَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ،ثُمّ نَفَحَهُمْ بِهَا،وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ شِدّوا،فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ فَقَتَلَ اللّهُ تَعَالَى مَنْ قُتِلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ،وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ . فَلَمّا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ وَرَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعَرِيشِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ الّذِي فِيهِ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَوَشّحَ السّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرّةَ الْعَدُوّ وَرَأَى رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا ذُكِرَ لِي - فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النّاسَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاَللّهِ لَكَأَنّك يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمَ قَالَ أَجَلْ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا ( اللّهُ ) بِأَهْلِ الشّرْكِ . فَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشّرْكِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ" [1] ."
وروى الإمام أحمد عن ابْنِ عَبَّاسٍ،حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،قَالَ:لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ،قَالَ:نَظَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلاثُ مِئَةٍ وَنَيِّفٌ،وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ،فَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْقِبْلَةَ،ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وَعَلَيْهِ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ،ثُمَّ قَالَ:اللَّهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي ؟ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ مَا وَعَدْتَنِي،اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِِسْلامِ،فَلا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ أَبَدًا،قَالَ:فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ،فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ،ثُمَّ قَالَ:يَا نَبِيَّ اللهِ،كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ،فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ،وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فَلَمَّا كَانَ يَوْمُئِذٍ،وَالْتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُشْرِكِينَ،فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا،وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا،فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا
(1) - سيرة ابن هشام [1 /628] بلا سند