فهرس الكتاب

الصفحة 4277 من 4997

وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس،وتخشع الأصوات،وتسكن الجوارح ...وظل الفناء يشمل كل حي،ويطوي كل حركة،ويغمر آفاق السماوات والأرض ..وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح،والزمان والمكان،ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار ..

ولا يملك التعبير البشري أن يصور الموقف ولا يملك أن يزيد شيئا على النص القرآني،الذي يسكب في الجوانح السكون الخاشع،والجلال الغامر،والصمت الرهيب،والذي يرسم مشهد الفناء الخاوي،وسكون الموت المخيم بلا حركة،ولا نأمة في هذا الكون الذي كان حافلا بالحركة والحياة.ويرسم في الوقت ذاته حقيقة البقاء الدائم،ويطبعها في الحس البشري الذي لا يعرف في تجاربه صورة للبقاء الدائم ولكنه يدركها بعمق في ذلك النص القرآني العجيب! ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب.فيعد استقرار هذه الحقيقة.حقيقة الفناء لكل من عليها،وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده.يعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس في معرض الآلاء: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ..وإنها لنعمة،بل هي أساس النعم كلها جميعا.فمن حقيقة الوجود الباقي ينبثق كل هذا الخلق وناموسه ونظامه وخصائصه.كما تستقر سننه وقيمه ومآله وجزاؤه.والحي الباقي هو الذي يخلق ويبدع،وهو الذي يحفظ ويكلأ،وهو الذي يحاسب ويجزي.وهو الذي يشرف من أفق البقاء على ساحة الفناء ..فمن حقيقة البقاء إذن تنبثق جميع الآلاء.وما يبزغ هذا العالم وما يستقيم أمره إلا ووراءه هذه الحقيقة.حقيقة البقاء وراء الفناء.

الدرس السابع:29 - 30 تدبير الله لحياة المخلوقين

ومن حقيقة البقاء الدائم وراء الخلق الفاني،تنبثق حقيقة أخرى ..فكل أبناء الفناء إنما يتجهون في كل ما يقوم بوجودهم إلى الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم: «يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» .

يسأله من في السماوات والأرض،فهو مناط السؤال وغيره لا يسأل لأنه فان لا يتعلق به سؤال ..يسألونه وهو وحده الذي يستجيب،وقاصده وحده هو الذي لا يخيب.وما يتجه أحد إلى سواه إلا حين يضل عن مناط السؤال ومعقد الرجاء ومظنة الجواب.وماذا يملك الفاني للفاني وماذا يملك المحتاج للمحتاج؟

وهو - سبحانه - كل يوم هو في شأن.وهذا الوجود الذي لا تعرف له حدود،كله منوط بقدره،متعلق بمشيئته،وهو قائم بتدبيره.هذا التدبير الذي يتناول الوجود كله جملة ويتناول كل فرد فيه على حدة ويتناول كل عضو وكل خلية وكل ذرة.ويعطي كل شيء خلقه،كما يعطيه وظيفته،ثم يلحظه وهو يؤدي وظيفته.

هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت وما يسقط من ورقة،وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض،وكل رطب وكل يابس.يتبع الأسماك في بحارها،والديدان في مسار بها،والحشرات في مخابئها.والوحوش في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت