فكل الآيات التي يحتويها هذا الكتاب العظيم المعجز لا تكفيهم.وكل آيات اللّه المبثوثة في تضاعيف الكون لا تكفيهم.وهم يقترحون خارقة كخوارق الرسل في الأمم قبلهم.غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية.
وطبيعة معجزتها.فهي ليست معجزة وقتية تنتهي بمشاهدة جيل،إنما هي المعجزة الدائمة التي تخاطب القلب والعقل في جيل بعد جيل.
ويوجه اللّه رسوله أن يحيلهم على اللّه الذي يعلم ما في غيبه،ويقدر إن كان سيبرز لهم خارقة أو لا يبرز: «فَقُلْ:إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ.فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» ..وهو جواب في طيه الإمهال وفي طيه التهديد ..وفي طيه بعد ذلك بيان حدود العبودية في جانب الألوهية.
فإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الأنبياء المرسلين،لا يملك من أمر الغيب شيئا،فالغيب كله للّه.
ولا يملك من أمر الناس شيئا،فأمرهم موكول إلى اللّه ..وهكذا يتحدد مقام العبودية في جانب مقام الألوهية،ويخط خط بارز فاصل بين الحقيقتين لا شبهة بعده ولا ريبة ..
وحين ينتهي السياق من عرض ما يقول المستخلفون وما يفعلون،يعود إلى الحديث عن بعض طبائع البشر،حين يذوقون الرحمة بعد الضر.كما تحدث من قبل عنهم حين يصيبهم الضر ثم ينجون منه.ويضرب لهم مثلا مما يقع في الحياة يصدق ذلك،فيقدمه في صورة مشهد قوي من مشاهد القرآن التصويرية: « وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ،إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا.قُلِ:اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا،إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ.هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ،حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ،وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ،وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ،وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ،دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا،ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
عجيب هذا المخلوق الإنساني لا يذكر اللّه إلا في ساعة العسرة،ولا يثوب إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة.فإذا أمن فإما النسيان وإما الطغيان ..ذلك إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن،مجلوة دائما بجلاء الإيمان ..
«وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ،إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا» ..
كذلك صنع قوم فرعون مع موسى.فكلما أخذوا بعذاب استغاثوا به ووعدوا بالعدول عما هم فيه.
فإذا ذاقوا الرحمة مكروا في آيات اللّه وأولوها على غير وجهها،وقالوا:إنما رفع عنا الرجز بسبب كذا وكذا ..وكذلك صنعت قريش وقد أجدبت وخافت الهلاك،فجاءت محمدا تناشده الرحم أن يدعو