{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) }
مقدمة الوحدة:
بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد،من المنشأ إلى المعاد،يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون،وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان.
ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره،وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر اللّه. وإلى الرياح الدائرة في الجواء،تقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن اللّه - فإذا هو حي،وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت اللّه،يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية وبعد تصوير طرفي الرحلة وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل اللّه وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من اللّه ولا شرع .. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم،الذي خلق هذا الوجود وسخره،والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره،والذي له الخلق والأمر وحده ..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه،والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازا في الوجود،يجعل الناشز غريبا شائها في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً،إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها،وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا،إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» ..