هذا الشأن بصفة خاصة.وهو الشأن الذي لا ضابط فيه أحس ولا أدق من ضابط الشعور والضمير،فالتلاعب فيه مجاله واسع،لا يقف دونه إلا تقوى اللّه وحساسية الضمير.
«وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ،إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ» ..فمجال الكيد في هذه العلاقة واسع،ومسالكه كثيرة،وقد تؤدي محاولة اتقاء الكيد إلى الكيد!
فهنا إيحاء بترك هذه المحاولة،والتوكل على اللّه،وهو كاف لمن يتوكل عليه.فاللّه بالغ أمره.فما قدر وقع،وما شاء كان فالتوكل عليه توكل على قدرة القادر،وقوة القاهر.الفعال لما يريد.البالغ ما يشاء.والنص عام.والمقصود به هو إنشاء التصور الإيماني الصحيح في القلب،بالنسبة لإرادة اللّه وقدره ..ولكن وروده هنا بمناسبة أحكام الطلاق له إيحاؤه في هذا المجال وأثره.
«قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» ..فكل شيء مقدر بمقداره،وبزمانه،وبمكانه،وبملابساته،وبنتائجه وأسبابه.وليس شيء مصادفة،وليس شيء جزافا.في هذا الكون كله،وفي نفس الإنسان وحياته ..وهي حقيقة ضخمة يقوم عليها جانب كبير من التصور الإيماني. (وقد فصلنا الحديث عنها عند استعراض قوله تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» في سورة الفرقان.وعند قوله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» ..في سورة القمر) .ولكن ذكر هذه الحقيقة الكلية هنا يربط بها ما قدره اللّه عن الطلاق وفترته،والعدة ووقتها،والشهادة وإقامتها.ويطبع هذه الأحكام بطابع السنة الإلهية النافذة،والناموس الكلي العام.ويوقع في الحس أن الأمر جد من جد النظام الكوني المقدر في كل خلق اللّه.
«وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ - إِنِ ارْتَبْتُمْ - فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ.وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ،وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا» .
وهذا تحديد لمدة العدة لغير ذوات الحيض والحمل.يشمل اللواتي انقطع حيضهن،واللاتي لم يحضن بعد لصغر أو لعلة.ذلك أن المدة التي بينت من قبل في سورة البقرة كانت تنطبق على ذوات الحيض - وهي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات.حسب الخلاف الفقهي في المسألة - فأما التي انقطع حيضها والتي لم تحض أصلا فكان حكمها موضع لبس:كيف تحسب عدتها؟ فجاءت هذه الآية تبين وتنفي اللبس والشك،وتحدد ثلاثة أشهر لهؤلاء وهؤلاء،لاشتراكهن في عدم الحيض الذي تحسب به عدة أولئك.أما الحوامل فجعل عدتهن هي الوضع.طال الزمن بعد الطلاق أم قصر.ولو كان أربعين ليلة فترة الطهر من النفاس.لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة،فلا حاجة إلى الانتظار.والمطلقة تبين من مطلقها بمجرد الوضع،فلا حكمة في انتظارها بعد ذلك،وهي غير قابلة للرجعة إليه إلا بعقد جديد على كل حال.وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا.فليس هناك حكم إلا ووراءه حكمة.
هذا هو الحكم ثم تجيء اللمسات والتعقيبات: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا» ..