فهرس الكتاب

الصفحة 4915 من 4997

هذه السورة خالصة لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كسورة الضحى،وسورة الشرح.يسري عنه ربه فيها،ويعده بالخير،ويوعد أعداءه بالبتر،ويوجهه إلى طريق الشكر.

ومن ثم فهي تمثل صورة من حياة الدعوة،وحياة الداعية في أول العهد بمكة.صورة من الكيد والأذى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوة اللّه التي يبشر بها وصورة من رعاية اللّه المباشرة لعبده وللقلة المؤمنة معه ومن تثبيت اللّه وتطمينه وجميل وعده لنبيه ومرهوب وعيده لشانئه.

كذلك تمثل حقيقة الهدى والخير والإيمان.وحقيقة الضلال والشر والكفران ..الأولى كثرة وفيض وامتداد.والثانية قلة وانحسار وانبتار.وإن ظن الغافلون غير هذا وذاك ..

ورد أن سفهاء قريش ممن كانوا يتابعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته بالكيد والمكر وإظهار السخرية والاستهزاء.ليصرفوا جمهرة الناس عن الاستماع للحق الذي جاءهم به من عند اللّه،من أمثال العاص ابن وائل،وعقبة بن أبي معيط،وأبي لهب،وأبي جهل،وغيرهم،كانوا يقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه أبتر.يشيرون بهذا إلى موت الذكور من أولاده.وقال أحدهم:دعوه فإنه سيموت بلا عقب وينتهي أمره!

وكان هذا اللون من الكيد اللئيم الصغير يجد له في البيئة العربية التي تتكاثر بالأبناء صدى ووقعا.وتجد هذه الوخزة الهابطة من يهش لها من أعداء رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وشانئيه،ولعلها أو جعت قلبه الشريف ومسته بالغم أيضا.

ومن ثم نزلت هذه السورة تمسح على قلبه - صلى الله عليه وسلم - بالرّوح والندى،وتقرر حقيقة الخير الباقي الممتد الذي اختاره له ربه وحقيقة الانقطاع والبتر المقدر لأعدائه.

[سورة الكوثر (108) :الآيات 1 إلى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) }

«إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» ..والكوثر صيغة من الكثرة ..وهو مطلق غير محدود.يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء ..إنا أعطيناك ما هو كثير فائض غزير.غير ممنوع ولا مبتور ..فإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه اللّه لنبيه فهو واجده حيثما نظر أو تصور.

هو واجده في النبوة.في هذا الاتصال بالحق الكبير،والوجود الكبير.الوجود الذي لا وجود غيره ولا شيء في الحقيقة سواه.وماذا فقد من وجد اللّه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت