لاحتاج الإنسان في خلال الستين عاما التي هي متوسط عمره إلى آلاف الملايين من الأمتار ليسجل عليها هذا الحشد من الصور والكلمات والمعاني والمشاعر والتأثرات،لكي يذكرها بعد ذلك،كما يذكرها فعلا بعد عشرات السنين! ثم كيف يؤلف بين الكلمات المفردة والمعاني المفردة،والحوادث المفردة،والصور المفردة،ليجعل منها ثقافة مجمعة.ثم ليرتقي من المعلومات إلى العلم؟ ومن المدركات إلى الإدراك؟ ومن التجارب إلى المعرفة؟
هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة ..وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه،وليست أعلى مميزاته.فهنالك ذلك القبس العجيب من روح اللّه ..هنالك الروح الإنساني الخاص،الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود،وجمال خالق الوجود ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود.بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود.هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه - وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية؟! - والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض.ويصله بالملأ الأعلى،ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود.وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد! هذا الروح هو هبة اللّه الكبرى لهذا الإنسان.وهو الذي به صار إنسانا.وهو الذي يخاطبه باسمه: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ» ..ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟» هذا العتاب المباشر من اللّه للإنسان.
حيث يناديه - سبحانه - فيقف أمامه مقصرا مذنبا مغترا غير مقدر لجلال اللّه،ولا متأدب في جنابه ..ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى.ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور! إنه عتاب مذيب ..حين يتصور «الْإِنْسانُ» حقيقة مصدره،وحقيقة مخبره،وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه،وهو يناديه ذلك النداء،ثم يعاتبه هذا العتاب: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ،فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» ..
ثم يكشف عن علة الغرور والتقصير - وهي التكذيب - بيوم الحساب - ويقرر حقيقة الحساب،واختلاف الجزاء،في توكيد وتشديد: «كَلَّا! بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ،كِرامًا كاتِبِينَ،يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ.وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ،يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ،وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ» ..وكلا كلمة ردع وزجر عما هم فيه.وبل كلمة إضراب عما مضى من الحديث.ودخول في لون من القول جديد.لون البيان والتقرير والتوكيد.وهو غير العتاب والتذكير والتصوير.
«كَلَّا.بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ» ..تكذبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء.وهذه هي علة الغرور،وعلة التقصير.فما يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة.وقد ترتفع القلوب وتشف،فتطيع ربها وتعبده حبا فيه،لا خوفا من عقابه،ولا طمعا في ثوابه.ولكنها تؤمن بيوم