فهرس الكتاب

الصفحة 2020 من 4997

كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى: «إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ» ..فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول اللّه وأن تترقب في يقين وثقة،موعود اللّه للعصبة المسلمة،موعوده الذي حققه للعصبة الأولى،ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه،وتصبر على تكاليفه .. وأن تنتظر قوله تعالى: «فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ،وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .وهي إنما تتعامل مع وعد اللّه الصادق - لا مع ظواهر الواقع الخادع - ووعد اللّه هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع!

الدرس الثامن:27 - 29 النهي عن خيانة الأمانة والتوجيه لتقوى الله

ثم يتكرر الهتاف للذين آمنوا مرة أخرى .. إن الأموال والأولاد قد تقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا.

والحياة التي يدعو إليها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حياة كريمة،لا بد لها من تكاليف،ولا بد لها من تضحيات .. لذلك يعالج القرآن هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد - فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان - وبالتحذير من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان ومن التخلف عن دعوة الجهاد وعن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة. واعتبار هذا التخلف خيانة للّه والرسول،وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض،وهي إعلاء كلمة اللّه وتقرير ألوهيته وحده للعباد،والوصاية على البشرية بالحق والعدل .. ومع هذا التحذير التذكير بما عند اللّه من أجر عظيم يرجح الأموال والأولاد،التي قد تقعد الناس عن التضحية والجهاد: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ،وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» ..

إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة للّه والرسول. فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية: « لا إله إلا اللّه،محمد رسول اللّه» .. قضية إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية والأخذ في هذا بما بلغه محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده .. والبشرية في تاريخها كله لم تكن تجحد اللّه البتة ولكنها إنما كانت تشرك معه آلهة أخرى. أحيانا قليلة في الاعتقاد والعبادة. وأحيانا كثيرة في الحاكمية والسلطان - وهذا هو غالب الشرك ومعظمه - ومن ثم كانت القضية الأولى لهذا الدين ليست هي حمل الناس على الاعتقاد بألوهية اللّه. ولكن حملهم على إفراده - سبحانه - بالألوهية،وشهادة أن لا إله إلا اللّه،أي إفراده بالحاكمية في حياتهم الأرضية - كما أنهم مقرّون بحاكميته في نظام الكون - تحقيقا لقول اللّه تعالى: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ» .. كذلك كانت هي حملهم على أن الرسول هو وحده المبلغ عن اللّه ومن ثم الالتزام بكل ما يبلغهم إياه ..

هذه هي قضية هذا الدين - اعتقادا لتقريره في الضمير،وحركة لتقريره في الحياة - ومن هنا كان التخلي عنها خيانة للّه والرسول يحذر اللّه منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت