التي يرسمها الإسلام ويدعو الناس إلى بلوغها.فيكفي أن نكون في الطريق،وأن تكون محاولتنا مستمرة ومخلصة للوصول ..وينفعنا في إدراك حقيقة أخرى:وهي أن الدعوة إلى الكمال يجب أن تلاحق الناس،ولا تفتر ولا تني ولا تيئس إذا ظهرت بعض النقائص والعيوب.فالنفوس هكذا.وهي ترتفع رويدا رويدا بمتابعة الهتاف لها بالواجب،ودعوتها إلى الكمال المنشود،وتذكيرها الدائم بالخير،وتجميل الخير لها وتقبيح الشر،وتنفيرها من النقص والضعف،والأخذ بيدها كلما كبت في الطريق،وكلما طال بها الطريق! ويفيدنا ثالثا في الاستقرار إلى هذه الحقيقة البسيطة التي كثيرا ما نغفل عنها وننساها:وهي أن الناس هم الناس والدعوة هي الدعوة والمعركة هي المعركة ..إنها أولا وقبل كل شيء معركة مع الضعف والنقص والشح والحرص في داخل النفس.ثم هي معركة مع الشر والباطل والضلال والطغيان في واقع الحياة.والمعركة بطرفيها لا بد من خوضها.
ولا بد للقائمين على الجماعة المسلمة في الأرض من مواجهتها بطرفيها كما واجهها القرآن أول مرة وواجهها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولا بد من الأخطاء والعثرات.ولا بد من ظهور الضعف والنقص في مراحل الطريق ولا بد من المضي أيضا في علاج الضعف والنقص كلما أظهر تهما الأحداث والتجارب.ولا بد من توجيه القلوب إلى اللّه بالأساليب التي اتبعها القرآن في التوجيه ..وهنا نرجع إلى أول الحديث.نرجع إلى استشارة القرآن في حركات حياتنا وملابساتها.وإلى رؤيته يعمل ويتحرك في مشاعرنا وفي حياتنا كما كان يعمل ويتحرك في حياة الجماعة الأولى ..
والآن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس تفصيلا:
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ،فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ.وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» ..
إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف إنما يبدأ بالحض والتأليف ..إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله ..إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة:صورة الزرع.هبة الأرض أو هبة اللّه.الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه،ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره.يعرض هذه الصورة الموحية مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ،فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» ..
إن المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل وأكثر استجاشة للمشاعر،وتأثيرا في الضمائر ..إنه مشهد الحياة النامية.مشهد الطبيعة الحية.مشهد الزرعة الواهبة.ثم مشهد العجيبة في عالم النبات:العود الذي يحمل سبع سنابل.والسنبلة التي تحوي مائة حبة! وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء.إنه لا يعطي بل يأخذ وإنه لا ينقص بل يزاد ..وتمضي موجة العطاء والنماء