فهرس الكتاب
من ضلال وخسران «لَبِئْسَ الْمَوْلى » ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع «وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» ذلك الذي ينشأ عنه الخسران.يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان،والمولى والعشير من بني الإنسان،ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان!
واللّه يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله،حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء: « إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» ..فمن مسه الضر في فتنة من الفتن،وفي ابتلاء من الابتلاء ات،فليثبت ولا يتزعزع،وليستبق ثقته برحمة اللّه وعونه،وقدرته على كشف الضراء،وعلى العوض والجزاء.فأما من يفقد ثقته في نصر اللّه في الدنيا والآخرة ويقنط من عون اللّه له في المحنة حين تشتد المحنة.فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء وليذهب بنفسه كل مذهب،فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء: «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ،ثُمَّ لْيَقْطَعْ،فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ» ! وهو مشهد متحرك لغيظ النفس،وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ،يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه،عند ما ينزل بها الضر وهي على غير اتصال باللّه.والذي ييأس في الضر من عون اللّه يفقد كل نافذة مضيئة،وكل نسمة رخية،وكل رجاء في الفرج،ويستبد به الضيق،ويثقل على صدره الكرب،فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء.
فمن كان يظن أن لن ينصره اللّه في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق.ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق ..ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه! ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر اللّه.ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى اللّه.ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر،والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة باللّه.وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب،ومضاعفة الشعور به،والعجز عن دفعه بغير عون اللّه ..فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح اللّه ...
بمثل هذا البيان لحالات الهدى والضلال،ولنماذج الهدى والضلال،أنزل اللّه هذا القرآن ليهتدي به من يفتح له قلبه،فيقسم اللّه له الهداية: «وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ،وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ» .
وإرادة اللّه قد قررت سبق الهدى والضلال.فمن طلب الهدى تحققت إرادة اللّه بهدايته،وفق سنته،وكذلك من طلب الضلال.إنما يفرد هنا حالة الهدى بالذكر،بمناسبة ما في الآيات من بيان يقتضي الهدى في القلب المستقيم.
فأما الفرق المختلفة في الاعتقاد فأمرها إلى اللّه يوم القيامة،وهو العليم بكل ما في عقائدها من حق أو باطل،ومن هدى أو ضلال: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا،وَالَّذِينَ هادُوا،وَالصَّابِئِينَ،وَالنَّصارى،وَالْمَجُوسَ،وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ..إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ،إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ..