فهرس الكتاب

الصفحة 1748 من 4997

إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة،من وراء أشكالها وصورها وملابساتها .. هذا ما يوحي به هذا التعقيب .. وكما يخرج اللّه الحياة من الموات في هذه الأرض،فكذلك يخرج الحياة من الموتى في نهاية المطاف .. إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة وأشكالها في هذه الأرض،هي المشيئة التي ترد الحياة في الأموات. وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا،لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتى مرة أخرى ..

«لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة ويغرقون في الضلالات والأوهام!

الدرس الرابع:58 الطيب والخبيث من الأرض والإنسان

ويختم السياق هذه الرحلة في أقطار الكون وأسرار الوجود،بمثل يضربه للطيب وللخبيث من القلوب.ينتزعه من جو المشهد المعروض،مراعاة للتناسق في المرائي والمشاهد،وفي الطبائع والحقائق: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} (58) سورة الأعراف

والقلب الطيب يشبه في القرآن الكريم وفي حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالأرض الطيبة،وبالتربة الطيبة. والقلب الخبيث يشبه بالأرض الخبيثة وبالتربة الخبيثة. فكلاهما .. القلب والتربة .. منبت زرع،ومأتى ثمر. القلب ينبت نوايا ومشاعر،وانفعالات واستجابات،واتجاهات وعزائم،وأعمالا بعد ذلك وآثارا في واقع الحياة. والأرض تنبت زرعا وثمرا مختلفا أكله وألوانه ومذاقاته وأنواعه ..

«وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ» ..طيبا خيرا،سهلا ميسرا.

«وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا» ..في إيذاء وجفوة،وفي عسر ومشقة ..

والهدى والآيات والموعظة والنصيحة تنزل على القلب كما ينزل الماء على التربة. فإن كان القلب طيبا كالبلد الطيب،تفتح واستقبل،وزكا وفاض بالخير. وإن كان فاسدا شريرا - كالذي خبث من البلاد والأماكن - استغلق وقسا،وفاض بالشر والنكر والفساد والضر. وأخرج الشوك والأذى،كما تخرج الأرض النكدة! «كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ» .

والشكر ينبع من القلب الطيب،ويدل على الاستقبال الطيب،والانفعال الطيب. ولهؤلاء الشاكرين الذين يحسنون التلقي والاستجابة تصرف الآيات. فهم الذين ينتفعون بها،ويصلحون لها،ويصلحون بها ..والشكر هو لازمة هذه السورة التي يتكرر ذكرها فيها .. كالإنذار والتذكير. وقد صادفنا هذا التعبير فيما مضى من السياق،وسنصادفه فيما هو آت .. فهو من ملامح السورة المميزة في التعبير،كالإنذار والتذكير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت