فهرس الكتاب

الصفحة 1747 من 4997

إنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته. والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها اللّه هذا الكون - فما كان الكون لينشئ نفسه،ثم يضع لنفسه هذه النواميس التي تحكمه! - ولكن التصور الإسلامي يقوم على اعتقاد أن كل حدث يجري في الكون - ولو أنه يجري وفق الناموس الذي قدره اللّه - إنما يقع ويتحقق - وفق الناموس - بقدر خاص ينشئه ويبرزه في عالم الواقع. وأن الأمر القديم بجريان السنة،لا يتعارض مع تعلق قدر اللّه بكل حادث فردي من الأحداث التي تجري وفق هذه السنة. فإرسال الرياح - وفق النواميس الإلهية في الكون - حدث من الأحداث،يقع بمفرده وفق قدر خاص [1] .

وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس اللّه في الكون أيضا. ولكنه يقع بقدر خاص. ثم يسوق اللّه السحاب - بقدر خاص منه - إلى «بلد ميت» .. صحراء أو جدباء .. فينزل منه الماء - بقدر كذلك خاص - فيخرج من كل الثمرات - بقدر منه خاص - يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة.

إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون. ابتداء من نشأته وبروزه،إلى كل حركة فيه وكل تغيير وكل تعديل. كما ينفي الجبرية الآلية،التي تتصور الكون كأنه آلة،فرغ صانعها منها،وأودعها القوانين التي تتحرك بها،ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين التي تصبح بذلك عمياء! إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر. ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية. ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس ولكل مرة تتحقق فيها السنة. القدر الذي ينشئ الحركة ويحقق السنة،وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة.

إنه تصور حي. ينفي عن القلب البلادة. بلادة الآلية والجبرية. ويدعها أبدا في يقظة وفي رقابة .. كلما حدث حدث وفق سنة اللّه. وكلما تمت حركة وفق ناموس اللّه. انتفض هذا القلب،يرى قدر اللّه المنفذ،ويرى يد اللّه الفاعلة،ويسبح للّه ويذكره ويراقبه،ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه! هذا تصور يستحيي القلوب،ويستجيش العقول،ويعلقها جميعا بفاعلية الخالق المتجددة وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار.

كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة اللّه وقدره في هذه الأرض. وبين النشأة الآخرة،التي تتحقق كذلك بمشيئة اللّه وقدره على المنهج الذي يراه الأحياء في نشأة هذه الحياة:

«كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى،لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..

(1) - يراجع كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» في مواضع متعددة في فصول: «حقيقة الألوهية» . «حقيقة الكون» . «حقيقة الإنسان» في القسم الثاني من البحث. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت