فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 4997

المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد،ليس على اللّه ببعيد،يريهم فيه مصارعهم - وهم الظالمون:أي المشركون - وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب اللّه أو يواجههم وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون: «قُلْ:أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً،هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ؟» ..

إن عذاب اللّه يأتي في أية صورة وفي أية حالة.وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه،أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون.فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين - أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم - وسينالهم هم دون سواهم.ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة.فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء.فكلهم من عبيد اللّه الضعفاء!

وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه،ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء.واللّه - سبحانه - يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد يخاطب الكينونة البشرية خطابا تعرفه في قرارتها،وتعرف ما وراءه من حقيقة ترجف لها القلوب!

الدرس الرابع:48 - 49 وظيفة الرسل البلاغ

وحين تبلغ الموجة أقصى مدها،بعرض هذه المشاهد المتوالية،والتعقيبات الموحية،والإيقاعات التي تحمل الإنذار إلى أعماق السرائر ..تختم ببيان وظيفة الرسل،الذين تطالبهم أقوامهم بالخوارق،وإن هم إلا مبلغين،مبشرين ومنذرين،ثم يكون بعد ذلك من أمر الناس ما يكون،وفق ما يتخذونه لأنفسهم من مواقف يترتب عليها الجزاء الأخير: «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» ..

لقد كان هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي،ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها اللّه للإنسان استخداما كاملا في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود،وفي أطوار الحياة،وفي أسرار الخلق والذي جاء هذا القرآن لكشفه وتجليته وتوجيه الإدراك البشري إليه ..

وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان،أمام القهر بالخارقة المادية البادية للعيان! إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله.وهي في ذاتها خوارق معجزة ..ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود،ويتألف منها قوامه.وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند اللّه باهر،معجز في تعبيره ومعجز في منهجه،ومعجز في الكيان الاجتماعي العضوي الحركي الذي يرمي إلى إنشائه على غير مثال.والذي لم يلحق به من بعده أي مثال! وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة،وتوجيها طويلا،حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة،وهذا المدى من الرقي وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت