إن المتقين في ظلال ..ظلال حقيقية في هذه المرة! لا ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب! وفي عيون من ماء لا في دخان خانق يبعث الظمأ الحرور: «وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ» ..وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..يقابل هذا النعيم والتكريم!
وهنا تعرض في خطفة سريعة رقعة الحياة الدنيا التي طويت في السياق.فإذا نحن في الأرض مرة أخرى.وإذا التبكيت والترذيل يوجهان للمجرمين! «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين،وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان،وإن كانت تفرق بينهما أزمان وأزمان.فبينما كان الخطاب موجها للمتقين في الآخرة،إذا هو موجه للمجرمين في الدنيا.وكأنما ليقال لهم:اشهدوا الفارق بين الموقفين ..وكلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار،لتحرموا وتعذبوا طويلا في تلك الدار .. «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .
الدرس الحادي عشر:48 - 50 عناد الكفار فلا ينفع معهم حديث
ثم يتحدث معجبا من أمر القوم وهم يدعون إلى الهدى فلا يستجيبون: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..مع أنهم يبصرون هذا التبصير،وينذرون هذا النذير ..
«فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟» ..والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي،وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال،لا يؤمن بحديث بعده أبدا.إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس،والويل المدخر لهذا الشقي المتعوس!
إن السورة بذاتها،ببنائها التعبيري،وإيقاعها الموسيقي،ومشاهدها العنيفة،ولذعها الحاد ..إنها بذاتها حملة لا يثبت لها قلب،ولا يتماسك لها كيان.
فسبحان الذي نزل القرآن،وأودعه هذا السلطان!
انتهى الجزء التاسع والعشرون ويليه الجزء الثلاثون مبدوءا بسورة النبأ