ثم يدعوهم في وسط السورة إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ،ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.وَأُخْرى تُحِبُّونَها:نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ،وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» .
ثم يختم السورة بنداء أخير للذين آمنوا،ليكونوا أنصار اللّه كما كان الحواريون أصحاب عيسى أنصاره إلى اللّه،على الرغم من تكذيب بني إسرائيل به وعدائهم للّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ:مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ:نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ.فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ،فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ» ..
هذان الخطان واضحان في السورة كل الوضوح،يستغرقان كل نصوصها تقريبا.فلا يبقى إلا التنديد بالمكذبين بالرسالة الأخيرة - وهذه قصتها وهذه غايتها - وهذا التنديد متصل دائما بالخطين الأساسيين فيها.
وذلك قول اللّه تعالى،عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذكر تبشير عيسى - عليه السلام - به: «فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا:هذا سِحْرٌ مُبِينٌ.وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ؟ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ،وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ،وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» ..
وفيه يتضح في ضمير المسلم أن دينه هو دين اللّه في صورته الأخيرة في الأرض وأن أمانة العقيدة في البشرية كلها موكولة إليه يعلم أنه مكلف أن يجاهد في سبيل اللّه،كما يحب اللّه ويتضح طريقة،فلا يبقى في تصوره غبش،ولا يبقى في حياته مجال للتمتمة والغمغمة في هذه القضية،أو للتردد والتلفت عن الهدف المرسوم والنصيب المقسوم في علم اللّه وتقديره منذ بعيد.
وفي أثناء توجيهه إلى هذا الهدف الواضح يوجه كذلك إلى خلق المسلم وطبيعة ضميره.وهو أن لا يقول ما لا يفعل،وألا يختلف له قول وفعل،ولا ظاهر وباطن،ولا سريرة وعلانية.وأن يكون هو نفسه في كل حال.متجردا للّه.خالصا لدعوته.صريحا في قوله وفعله.ثابت الخطو في طريقه.متضامنا مع إخوانه.كالبنيان المرصوص ..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ