فهرس الكتاب

الصفحة 3021 من 4997

كان في المرتع الممرع! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء.ومن اتبع هدى اللّه فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض،وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود،حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود.

« وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا» والحياة المقطوعة الصلة باللّه ورحمته الواسعة،ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع.إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال باللّه والاطمئنان إلى حماه.ضنك الحيرة والقلق والشك.ضنك الحرص والحذر:الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت.ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل ما يفوت.وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب اللّه.وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ..إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولا وعرضا وعمقا وسعة،والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان.

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي» وانقطع عن الاتصال بي «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا» .. «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى » ..وذلك ضلال من نوع ضلاله في الدنيا.وذلك جزاء على إعراضه عن الذكر في الأولى.حتى إذا سأل: «رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا؟» كان الجواب: «كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى .وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ.وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى » ! ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه.أسرف فألقى بالهدى من بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر،وأسرف في انفاق بصره في غير ما خلق له فلم يبصر من آيات اللّه شيئا.فلا جرم يعيش معيشة ضنكا! ويحشر في يوم القيامة أعمى! اتساق في التعبير.واتساق في التصوير ..هبوط من الجنة وشقاء وضلال،يقابله عودة إلى الجنة ونجوة من الشقاء والضلال.وفسحة في الحياة يقابلها الضنك،وهداية يقابلها العمى ..

الدرس الثالث:128 - 129 لفت الأنظار إلى مصارع السابقين

ويجيء هذا تعقيبا على قصة آدم - وهي قصة البشرية جميعا - فيبدأ الاستعراض في الجنة،وينتهي في الجنة،كما مر في سورة الأعراف،مع الاختلاف في الصور الداخلة في الاستعراض هنا وهناك حسب اختلاف السياق ..فإذا انتهت هذه الجولة بطرفيها أخذ السياق في جولة حول مصارع الغابرين وهي أقرب في الزمان من القيامة،وهي واقع تشهده العيون إن كانت القيامة غيبا لا تراه الأبصار: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى .وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى» ..

وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون.وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب،وحين يتملى الخيال الدور وقد خلت من أهلها الأول ويتصور شخوصهم الذاهبة،وأشباحهم الهاربة،وحركاتهم وسكناتهم،وخواطرهم وأحلامهم،وهمومهم وآمالهم ..حين يتأمل هذا الحشد من الأشباح والصور والانفعالات والمشاعر ..ثم يفتح عينه فلا يرى من ذلك كله شيئا إلا الفراغ والخواء ..عندئذ يستيقظ للهوة التي تفغر فاها لتبتلع الحاضر كما ابتلعت الغابر.وعندئذ يدرك يد القدرة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت