فهرس الكتاب
بأحداثها خيرها وشرها.كما يجوز أن تكون هناك مناسبة حاضرة في واقع الحال عند نزول هذه السورة.أو هذه الآية من السورة،فيما كان يقع بين المؤمنين والمشركين من وقائع.
وعلى أية حال فهذا جانب ضخم من التصور الإيماني الذي ينشئه الإسلام في ضمير المؤمن.فيحس يد اللّه في كل حدث،ويرى يد اللّه في كل حركة،ويطمئن قلبه لما يصيبه من الضراء ومن السراء.يصبر للأولى ويشكر للثانية.وقد يتسامى إلى آفاق فوق هذا،فيشكر في السراء وفي الضراء إذ يرى في الضراء كما في السراء فضل اللّه ورحمته بالتنبيه أو بالتكفير أو بترجيح ميزان الحسنات،أو بالخير على كل حال.
وفي الحديث الصحيح عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ » . [1]
«وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» ..وقد فسرها بعض السلف بأنها الإيمان بقدر اللّه والتسليم له عند المصيبة.وعن ابن عباس يعني يهدي قلبه هداية مطلقة.ويفتحه على الحقيقة اللدنية المكنونة.ويصله بأصل الأشياء والأحداث،فيرى هناك منشأها وغايتها.ومن ثم يطمئن ويقر ويستريح.ثم يعرف المعرفة الواصلة الكلية فيستغني عن الرؤية الجزئية المحفوفة بالخطأ والقصور.
ومن ثم يكون التعقيب عليها: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..فهي هداية إلى شيء من علم اللّه،يمنحه لمن يهديه،حين يصح إيمانه فيستحق إزاحة الحجب،وكشف الأسرار ..بمقدار ..
ويتابع دعوتهم إلى الإيمان فيدعوهم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» ..وقد عرض عليهم من قبل مصير الذين تولوا.وهنا يقرر لهم أن الرسول مبلغ.فإذا بلغ فقد أدى الأمانة،ونهض بالواجب،وأقام الحجة.وبقي ما ينتظرهم هم من المعصية والتولي،مما ذكروا به منذ قليل.
ثم يختم هذا المقطع بتقرير حقيقة الوحدانية التي ينكرونها ويكذبونها،ويقرر شأن المؤمنين باللّه في تعاملهم مع اللّه: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..
وحقيقة التوحيد هي أساس التصور الإيماني كله.ومقتضاها أن يكون التوكل عليه وحده.فهذا هو أثر التصور الإيماني في القلوب.وبهذه الآية يدخل السياق في خطاب المؤمنين.فهي وصلة بين ما مضى من السورة وما يجيء.
(1) - صحيح مسلم- المكنز [19 /91] 7692