فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 4997

ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلها. ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة. إنما كان يخطىء في تحديد صفة الإله الحق،حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة [1] ..

فأما الملحدون الجدد - أصحاب «الاشتراكية العلمية» ! - فهم أمساخ شائهو الفطرة. بل إنهم إنما ينكرون الفطرة،ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها .. وعند ما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي،ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته:ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء؟

ولكنه حين هبط إلى الأرض،وتذكر إرهاب الدولة،قال:إنه لم يجد اللّه هناك! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه،أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض! إن اللّه الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان،والذي يعلم فطرة هذا الإنسان!

وأخيرا يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب وهم عنه غافلون: «وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ» .. فما يدريهم أن أجلهم قريب؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين وهم عن غيب اللّه محجوبون؟ وهم في قبضته لا يفلتون؟

إن هذه اللمسة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة! لعله أن يستيقظ ويتفتح ويرى .. واللّه منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلبا غافلا ..ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر! «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟» ! وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين ..

إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية .. إنه لا يدع جانبا واحدا منها لا يخاطبه،ولا يدع وترا منها واحدا لا يوقع عليه إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلمسه ويوقظه. إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد،ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق .. وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى اللّه دائما .. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقا آخر. والقرآن هو القرآن كلام اللّه الباقي،وخطاب اللّه لهذا الإنسان الذي لا يتغير .. مهما تعلم ومهما «تطور!» ..

الدرس السابع:186 سنة الله في الهدى والضلال

وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب .. يقرر فيها سنة اللّه الجارية بالهدى والضلال وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات

(1) - يراجع فصل «ألوهية وعبودية» وفصل: «حقيقة الإنسان» في المصدر السابق. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت