فهرس الكتاب

الصفحة 4367 من 4997

من تلك الواقعة العارضة.فيربط بين الحادث المفرد والحقيقة الكلية،في مجال حي من الواقع ولا ينعزل بالحقائق المجردة في الذهن.فالحقائق المجردة الباردة لا تؤثر في المشاعر،ولا تستجيش القلوب للاستجابة.وهذا فرق ما بين منهج القرآن في خطاب القلوب،ومنهج الفلاسفة والدارسين والباحثين! وبهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير.وقد ضمت في ثناياها وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات.واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة.وكانت رحلة في عالم الواقع وفي عالم الضمير،تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته،وتفترق روايتها في كتاب اللّه عن روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع اللّه وصنع البشر من فوارق لا تقاس!!

الدرس السادس:18 - 20 الدعوة إلى التقوى والتحذير من النسيان وعدم استواء أصحاب النار وأصحاب الجنة

وعند هذا الحد من رواية الحادث والتعقيب عليه وربطه بالحقائق البعيدة المدى يتجه الخطاب في السورة إلى المؤمنين،يهتف بهم باسم الإيمان،ويناديهم بالصفة التي تربطهم بصاحب الخطاب،وتيسر عليهم الاستجابة لتوجيه وتكليفه.يتجه إليهم ليدعوهم إلى التقوى.والنظر فيما أعدوه للآخرة،واليقظة الدائمة،والحذر من نسيان اللّه كالذين نسوه من قبل،ممن رأوا مصير فريق منهم،وممن كتب عليهم أنهم من أصحاب النار: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ،وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ،وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ،وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ،أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ.أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ» ..

والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله،ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها.حالة تجعل القلب يقظا حساسا شاعرا باللّه في كل حالة.خائفا متحرجا مستحييا أن يطلع عليه اللّه في حالة يكرهها.وعين اللّه على كل قلب في كل لحظة.فمتى يأمن أن لا يراه؟! «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ» ..

وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه ..ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته،ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته.لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة ..وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير،مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد.فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا،ونصيبه من البر ضئيلا؟ إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا،ولا يكف عن النظر والتقليب! ولا تنتهي الآية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة بمزيد من الإيقاع: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..فتزيد هذه القلوب حساسية ورهبة واستحياء ..واللّه خبير بما يعملون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت