فهرس الكتاب

الصفحة 1738 من 4997

وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام،فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف: «وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا،وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ،لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ» ..

وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب: «ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ» .. فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم: «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..إنه التقابل التام بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.

ثم يستمر العرض،فإذا نحن أمام مشهد لاحق للمشهد السابق .. لقد اطمأن أصحاب الجنة إلى دارهم واستيقن أصحاب النار من مصيرهم. وإذا الأولون ينادون الآخرين،يسألونهم عما وجدوه من وعد اللّه القديم: « وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ:أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا،فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا:نَعَمْ! فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ:أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ» ..

وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه .. إن المؤمنين على ثقة من تحقق وعيد اللّه كثقتهم من تحقق وعده.ولكنهم يسألون! ويجيء الجواب في كلمة واحدة .. نعم ..!

وعندئذ ينتهي الجواب،ويقطع الحوار: «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ:أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا،وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ» ..

فيتحدد معنى «الظالمين» المقصود. وهو مرادف لمعنى «الكافرين» فهم الذين يصدون عن سبيل اللّه،ويريدون الطريق عوجا لا استقامة فيه،وهم بالآخرة كافرون.

وفي هذا الوصف: «ويبغونها عوجا» .. إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل اللّه. إنهم يريدون الطريق العوجاء ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة:صورة المضي على طريق اللّه ونهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد،ويستيقن أنه راجع إلى ربه ثم يصد عن سبيل اللّه،ويحيد عن نهجه وشرعه .. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعا غير شرع اللّه. التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الداخلي الصحيح.

الدرس الرابع:46 - 49 كلام أصحاب الأعراف لأصحاب الجنة وأصحاب النار

ثم يتوجه النظر إلى المشهد من ظاهره. فإذا هنا لك حاجز يفصل بين الجنة والنار عليه رجال يعرفون أصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم وعلاماتهم .. فلننظر من هؤلاء،وما شأنهم مع أصحاب الجنة وأصحاب النار؟

«وَبَيْنَهُما حِجابٌ،وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ:أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ .. لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا:رَبَّنا لا تَجْعَلْنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت