فهرس الكتاب

الصفحة 3767 من 4997

وَأَنابَ» .. «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ» ..وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضا كبيرا.تتنزه عنه طبيعة النبوة.ولا يتفق إطلاقا مع حقيقتها.حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطا.وهي لا تصلح للنظر من الأساس.ولا تتفق مع قول اللّه تعالى: «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ» ..

والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ويحدد التوجيه المقصود بها من اللّه لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس: « يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ،فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» ..

فهي الخلافة في الأرض،والحكم بين الناس بالحق،وعدم اتباع الهوى.واتباع الهوى - فيما يختص بني - هو السير مع الانفعال الأول،وعدم التريث والتثبيت والتبيين ..مما ينتهي مع الاستطراد فيه إلى الضلال.أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل اللّه.وهو نسيان اللّه والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب.

ومن رعاية اللّه لعبده داود،أنه نبهه عند أول لفتة.ورده عند أول اندفاعة.وحذره النهاية البعيدة.وهو لم يخط إليها خطوة! وذلك فضل اللّه على المختارين من عباده.فهم ببشريتهم قد تعثر أقدامهم أقل عثرة،فيقيلها اللّه،ويأخذ بيدهم،ويعلمهم،ويوفقهم إلى الإنابة،ويغفر لهم،ويغدق عليهم،بعد الابتلاء ..وعند تقرير مبدأ الحق في خلافة الأرض،وفي الحكم بين الناس ..

الدرس الثاني:27 - 29 خلق الله الكون لحكمة وعدم تساوي الكفار مع المؤمنين

وقبل أن تمضي قصة داود إلى نهايتها في السياق ..يرد هذا الحق إلى أصله الكبير.أصله الذي تقوم عليه السماء والأرض وما بينهما.أصله العريق في كيان هذا الكون كله.وهو أشمل من خلافة الأرض،ومن الحكم بين الناس.وهو أكبر من هذه الأرض.

كما أنه أبعد مدى من الحياة الدنيا.إذ يتناول صميم الكون كما يتناول الحياة الآخرة.ومنه وعليه جاءت الرسالة الأخيرة،وجاء الكتاب المفسر لذلك الحق الشامل الكبير: « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا.ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؟ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟ كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ،لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ،وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» ..

وهكذا:في هذه الآيات الثلاث،تتقرر تلك الحقيقة الضخمة الهائلة الشاملة الدقيقة العميقة.بكل جوانبها وفروعها وحلقاتها ..

إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلا،ولم يقم على الباطل.إنما كان حقا وقام على الحق.ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق.الحق في خلافة الأرض.والحق في الحكم بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت