فهرس الكتاب
الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين ..إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة،ومن عظمة في احتمال هذه المشقة،إلا من يكابد طرفا من هذا الموقف في واقع الحياة.ثم يمضي في الطريق! ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل.فطريق الدعوة هو طريق الصبر.الصبر الطويل.وأول ما يستوجب الصبر تلك الرغبة الملحة في انتظار الدعوة،ثم إبطاء النصر.بل إبطاء أماراته.ثم ضرورة التسليم لهذا والرضى به والقبول!
إن أقصى ما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤمر به في مقابلة التبجح والاستهتار أن يقول: «وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ» ..وتخصيص الزكاة في هذا الموضع لا بد كانت له مناسبة حاضرة،لم نقف عليها،فهذه الآية مكية.والزكاة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة.وإن كان أصل الزكاة كان معروفا في مكة.والذي جد في المدينة هو بيان أنصبتها في المال،وتحصيلها كفريضة معينة.أما في مكة فقد كانت أمرا عاما يتطوع به المتطوعون،غير محدود،وأداؤه موكول إلى الضمير ..أما الكفر بالآخرة فهو عين الكفر الذي يستحق الويل والثبور.وقد ذكر بعضهم أن المقصود بالزكاة هنا الإيمان والطهارة من الشرك.وهو محتمل كذلك في مثل هذه الظروف.
ثم يمضي الداعية يكشف لهم عن شناعة الجرم الذي يرتكبونه بالشرك والكفر.يمضي بهم في المجال الكوني العريض.مجال السماوات والأرض،والكون الذي هم بالقياس إليه شيء ضئيل هزيل.يمضي بهم في هذا ليكشف لهم عن سلطان الله الذي يكفرون به في فطرة هذا الكون الذي هم جزء منه .ثم ليخرجهم من الزاوية الضيقة الصغيرة التي ينظرون منها إلى هذه الدعوة , حيث يرون أنفسهم وذواتهم كبيرة كبيرة ; ويشغلهم النظر إليها وإلى اختيار محمد - صلى الله عليه وسلم - من دونهم .والحرص على مكانتهم ومصالحهم ..إلى آخر هذه الاعتبارات الصغيرة ..يشغلهم هذا عن النظر إلى الحقيقة الضخمة التي جاءهم بها محمد , وفصلها هذا القرآن .الحقيقة التي تتصل بالسماوات والأرض ; وتتصل بالبشرية كلها في جميع أعصارها ; وتتصل بالحق الكبير الذي يتجاوز زمانهم ومكانهم وشخوصهم ; وتتصل بالكون كله في الصميم: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) } [فصلت:9 - 12] .