وإذا كان عذاب جهنم ينتظر المنافقين والكافرين،وكانت لعنته لهم بالمرصاد،وكان نسيانه لهم يدمغهم بالضئالة والحرمان.فإن نعيم الجنة ينتظر المؤمنين: «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» ..للإقامة المطمئنة.ولهم فوقها ما هو أكبر وأعظم: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» ..وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم.
«وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» ..إن لحظة اتصال باللّه.لحظة شهود لجلاله.لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج،ومن ثقلة هذه الأرض وهمومها القريبة.لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشري شعاعة من ذلك النور الذي لا تدركه الأبصار.
لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح اللّه ..إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء،ليتضاءل إلى جوارها كل متاع،وكل رجاء ..فكيف برضوان من اللّه يغمر هذه الأرواح،وتستشعره بدون انقطاع؟
«ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..
وبعد بيان صفة المؤمنين الصادقين وصفة المنافقين الذين يدّعون الإيمان ..يأمر اللّه نبيه أن يجاهد الكفار والمنافقين.ويقرر القرآن الكريم أن هؤلاء المنافقين قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم،وهموا بأمر خيبهم اللّه فيه،وهو من وحي الكفر الذي صاروا إليه.ويعجب من نقمتهم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما كان لهم من بعثته إلا الخير والغنى.ويرغبهم في التوبة ويخوفهم التمادي في الكفر والنفاق: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ،وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا،وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ،وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ،وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ،وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» ..
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاين المنافقين كثيرا،وأغضى عنهم كثيرا،وصفح عنهم كثيرا ..فها هو ذا يبلغ الحلم غايته،وتبلغ السماحة أجلها،ويأمره ربه أن يبدأ معهم خطة جديدة،ويلحقهم بالكافرين في النص،ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهادا عنيفا غليظا لا رحمة فيه ولا هوادة.
إن للين مواضعه وللشدة مواضعها.فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع ..وللحركة مقتضياتها،وللمنهج مراحله.واللين في بعض الأحيان قد يؤذي،والمطاولة قد تضر.
وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين.أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم اللّه وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه اللّه - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي