{ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) }
الآية الأولى تكملة لفقرة سابقة في السياق - في نهاية الجزء السابع - ومتعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الخوارق التي يريدون أن يأتي لهم بها فيصدقوه وما كان من حلفهم باللّه حلفا مكررا مؤكدا أن لو جاءتهم هذه الآيات التي يطلبون إنهم ليؤمنون! مما جعل بعض المسلمين أنفسهم يشتهون أن لو يجيبهم اللّه إلى ما يطلبون! ويقترحون على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربه هذه الآيات التي يقترحها المقترحون! والفقرة كلها جاءت هكذا: « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) » ..
ولقد سبق الحديث عن هذه الآيات في نهاية الجزء السابع [1] . فالآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها:
والحقيقة الأولى:هي أن الإيمان أو الكفر. والهدى أو الضلال ... لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق. فالحق هو برهان ذاته. وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له .. ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق،وهذه المعوقات يقول اللّه - سبحانه - للمؤمنين بشأنها:
«وما يشعركم أنها إذا جاءت (أي الآيات والخوارق) لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة،ونذرهم في طغيانهم يعمهون» ..
فما وقع لهم في أول مرة ومنعهم من الهدى،يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآية - فيمنعهم من الهدى كرة أخرى ..
إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته وفي الحق كذلك بذاته وليست متعلقة بعوامل خارجية ..
(1) - ص 1169 - 1170 من هذه الطبعة المنقحة ( السيد رحمه الله )