عن الحق والخضوع له.فأما المؤمنون فحماهم من هذه الحمية.وأحل محلها السكينة،والتقوى: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى .وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها» .
والسكينة الوقورة الهادئة،كالتقوى المتحرجة المتواضعة كلتاهما تليق بالقلب المؤمن الموصول بربه،الساكن بهذه الصلة.المطمئن بما فيه من ثقة.المراقب لربه في كل خالجة وكل حركة،فلا يتبطر ولا يطغى ولا يغضب لذاته،إنما يغضب لربه ودينه.فإذا أمر أن يسكن ويهدأ خشع وأطاع.في رضى وطمأنينة.ومن ثم كان المؤمنون أحق بكلمة التقوى،وكانوا أهلها.وهذا ثناء آخر من ربهم عليهم.إلى جانب الامتنان عليهم بما أنزل على قلوبهم من سكينة،وما أودع فيها من تقوى.فهم قد استحقوها في ميزان اللّه،وبشهادته وهو تكريم بعد تكريم،صادر عن علم وتقدير: «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» ..
ولقد مر بنا أن بعض المؤمنين الذين خرجوا مستبشرين برؤيا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد هالهم ألا تتحقق الرؤيا هذا العام وأن يردوا عن المسجد الحرام.فاللّه يؤكد لهم صدق هذه الرؤيا،وينبئهم أنها منه،وأنها واقعة ولا بد.وأن وراءها ما هو أكبر من دخول المسجد الحرام أيضا:
«لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ:لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ - إِنْ شاءَ اللَّهُ - آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ.فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا،فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ،وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» ..
فأما البشرى الأولى.بشرى تصديق رؤيا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ودخولهم المسجد الحرام آمنين،وتحليقهم وتقصيرهم بعد انتهاء شعائر الحج أو العمرة،لا يخافون ..فأما هذه فقد تحققت بعد عام واحد.ثم تحققت بصورة أكبر وأجلى بعد عامين اثنين من صلح الحديبية.إذ تم لهم فتح مكة،وغلبة دين اللّه عليها.ولكن اللّه سبحانه يؤدب المؤمنين بأدب الإيمان وهو يقول لهم: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ - إِنْ شاءَ اللَّهُ - » ..
فالدخول واقع حتم،لأن اللّه أخبر به.ولكن المشيئة يجب أن تظل في نفوس المسلمين في صورتها الطليقة لا يقيدها شيء، حتى تستقر هذه الحقيقة في القلوب،وتصبح هيقاعدة التصور للمشيئة الإلهية.والقرآن يتكئ على هذا المعنى،ويقرر هذه الحقيقة،ويذكر هذا الاستثناء في كل موضع،حتى المواضع التي يذكر فيها وعد اللّه.ووعد اللّه لا يخلف.ولكن تعلق المشيئة به أبدا طليق.إنه أدب يلقيه اللّه في روع المؤمنين،ليستقر منهم في أعماق الضمير والشعور.
ونعود إلى قصة تحقيق هذا الوعد فقد ذكرت الروايات وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم،