بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) [الحجر:51-56]
قالوا:سلاما.قال:إنا منكم وجلون ..ولم يذكر هنا سبب قوله،ولم يذكر أنه جاءهم بعجل حنيذ .. «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة» ..كما جاء في سورة هود.ذلك أن المجال هنا هو مجال تصديق الرحمة التي ينبئ اللّه بها عباده على لسان رسوله،لا مجال تفصيلات قصة إبراهيم .. « قالُوا:لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» ..
وهكذا عجلوا له البشرى،وعجل بها السياق دون تفصيل.كذلك يثبت هنا رد إبراهيم ولا يدخل امرأته وحوارها في هذه الحلقة: «قال:أبشرتموني على أن مسني الكبر؟ فبم تبشرون؟» فقد استبعد إبراهيم في أول الأمر أن يرزق بولد وقد مسه الكبر (وزوجته كذلك عجوز عقيم كما جاء في مجال آخر) فرده الملائكة إلى اليقين: «..قالوا:بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين» ..
أي من اليائسين.فآب إبراهيم سريعا،ونفى عن نفسه القنوط من رحمة اللّه: «قال:ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟» وبرزت كلمة «الرحمة» في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق وبرزت معها الحقيقة الكلية:أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.الضالون عن طريق اللّه،الذين لا يستروحون روحه،ولا يحسون رحمته،ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته.فأما القلب الندي بالإيمان،المتصل بالرحمن،فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد،ومهما ادلهمت حوله الخطوب،ومهما غام الجو وتلبد،وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر ..فإن رحمة اللّه قريب من قلوب المؤمنين المهتدين.وقدرة اللّه تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج،وتغير الواقع كما تغير الموعود.
وهنا - وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة،وثابت نفسه واطمأنت للبشرى - راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته: «قال:فما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا:إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين،إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين » [1] ..
ولا يعرض السياق لجدال إبراهيم عن لوط وقومه هنا كما عرض له في سورة هود.بل يصل إخبار الملائكة له،بالنبإ كله.ذلك أنه يصدق رحمة اللّه بلوط وأهله،وعذابه لامرأته وقومه.وينتهي بذلك دورهم مع إبراهيم،ويمضون لعملهم مع قوم لوط ..
فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا
(1) - أي إنها باقية مع القوم تلقى مصيرهم. وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع. ( السيد رحمه الله )