تحتم الإيمان بالآخرة،وبالعالم الذي يسمح ببلوغ الكمال الممكن،وتحقيق العدل المرسوم.فليست الآخرة إلا حلقة من حلقات الناموس الشامل الذي ارتضاه اللّه لتدبير هذا الوجود.
هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة،والذين تنكبوا الطريق،لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة،ولا الابتلاء بالنقمة.فإن أصابتهم النعمة حسبوا: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ» وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم،ولم تستيقظ ضمائرهم،ولم يرجعوا إلى اللّه يتضرعون له ليكشف عنهم الضر،ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة فإذا هم حائرون يائسون.
«وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ.حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» ..
وهذه صفة عامة لذلك الصنف من الناس،القاسية قلوبهم،الغافلين عن اللّه،المكذبين بالآخرة،ومنهم المشركون الذين كانوا يواجهون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - .
والاستكانة والتضرع عند مس الضر دليل على الرجوع إلى اللّه،والشعور بأنه الملجأ والملاذ.والقلب متى اتصل باللّه على هذا النحو رق ولان،واستيقظ وتذكر،وكانت هذه الحساسية هي الحارس الواقي من الغفلة والزلل،وأفاد من المحنة وانتفع بالبلاء.فأما حين يسدر في غيه،ويعمه في ضلاله،فهو ميؤوس منه لا يرجى له صلاح،وهو متروك لعذاب الآخرة،الذي يفاجئه،فيسقط في يده،ويبلس ويحتار،وييأس من الخلاص.
الدرس السادس:78 - 80 لفت أنظار الكفار إلى الآيات فيهم وفيما حولهم
ثم يجول معهم جولة أخرى علها توقظ وجدانهم إلى دلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم:
«وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ.قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ.وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ.أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..
ولو تدبر الإنسان خلقه وهيئته،وما زود به من الحواس والجوارح،وما وهبه من الطاقات والمدارك لوجد اللّه،ولاهتدى إليه بهذه الخوارق الدالة على أنه الخالق الواحد.فما أحد غير اللّه بقادر على إبداع هذه الخلقة المعجزة في الصغير منها وفي الكبير.هذا السمع وحده وكيف يعمل؟ كيف يلتقط الأصوات ويكيفها؟ وهذا البصر وحده وكيف يبصر؟
وكيف يلتقط الأضواء والأشكال؟ وهذا الفؤاد ما هو؟ وكيف يدرك؟ وكيف يقدر الأشياء والأشكال،والمعاني والقيم والمشاعر والمدركات؟
إن مجرد معرفة طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها،يعد كشفا معجزا في عالم البشر.فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ذلك التناسق