فهرس الكتاب
وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين،وصفتهم الأولى،وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين،كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون.وتقرر أن العزة للّه وحده فهي تطلب عنده وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين! ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة،فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه.وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها ..العبودية للّه ..فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى وأشخاص شتى واعتبار ات شتى،ومخاوف شتى.ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار ..وإنه إما عبودية للّه كلها استعلاء وعزة وانطلاق.وإما عبودية لعباد اللّه كلها استخذاء وذلة وأغلال ..ولمن شاء أن يختار ..وما يستعز المؤمن بغير اللّه وهو مؤمن.وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء اللّه وهو يؤمن باللّه.وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين،وهم يستعينون بأعدى أعداء اللّه في الأرض،أن يتدبروا هذا القرآن ..إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين ..وإلا فإن اللّه غني عن العالمين! ومما يلحق بطلب العزة عند الكفار وولايتهم من دون المؤمنين:الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسبا وقرابة! كما يعتز ناس بالفراعنة والأشوريين والفينيقيين والبابليين وعرب الجاهلية اعتزازا جاهليا،وحمية جاهلية ..
عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَشَرَفًا فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ" [1] ..
ذلك أن آصرة التجمع في الإسلام هي العقيدة.وأن الأمة في الإسلام هي المؤمنون باللّه منذ فجر التاريخ.
في كل أرض،وفي كل جيل.وليست الأمة مجموعة الأجيال من القدم،ولا المتجمعين في حيز من الأرض في جيل من الأجيال.
وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسا يسمع فيه آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها،فيسكت ويتغاضى ..يسمي ذلك تسامحا،أو يسميه دهاء،أو يسميه سعة صدر وأفق وإيمانا بحرية الرأي!!!
وهي هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله وهو يموه على نفسه في أول الطريق،حياء منه أن تأخذه نفسه متلبسا بالضعف والهوان! إن الحمية للّه،ولدين اللّه،ولآيات اللّه.هي آية الإيمان.وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد وينزاح بعدها كل حاجز،وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار.وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدا.ثم تهمد.ثم تخمد.ثم تموت!
(1) - شعب الإيمان - (7 / 129) (4769 ) صحيح