كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها،في الجماعات الحافلة ..وإن لها لشأنا ..عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ:سَمِعْتُ بِنْتَ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيَّةَ قَالَتْ:لَقَدْ رَأَيْتُنَا،وَتَنُّورُنَا،وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاحِدٌ،وَمَا حَفِظْتُ ق،إِلا مِنْ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ [1]
إنها سورة رهيبة،شديدة الوقع بحقائقها،شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري،وصورها وظلالها وجرس فواصلها.تأخذ على النفس أقطارها،وتلاحقها في خطراتها وحركاتها،وتتعقبها في سرها وجهرها،وفي باطنها وظاهرها.تتعقبها برقابة اللّه،التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد،إلى الممات،إلى البعث،إلى الحشر،إلى الحساب.وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة.تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا.
فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا،ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا،ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا.كل نفس معدود.وكل هاجسة معلومة.وكل لفظ مكتوب.وكل حركة محسوبة.والرقابة الكاملة الرهيبة مضروبة على وساوس القلب،كما هي مضروبة على حركة الجوارح.ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة،المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة،في كل وقت وفي كل حال.
وكل هذه حقائق معلومة.ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة،تروع الحس روعة المفاجأة وتهز النفس هزا،وترجها رجا،وتثير فيها رعشة الخوف،وروعة الإعجاب،ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب! وذلك كله إلى صور الحياة،وصور الموت،وصور البلى،وصور البعث،وصور الحشر.وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس.وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض،وفي الماء والنبت،وفي الثمر والطلع .. «تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» ..
وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف،وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال،في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال،إشعاعا مباشرا للحس والضمير.
فلنأخذ في استعراض السورة بذاتها ..واللّه المستعان ..
(1) - الآحاد والمثاني [5 /512] ( 3361) حسن