وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج اللّه الهادي.وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج «رجعية!» ويحسبونه مجرد حنين إلى فترة ذاهبة من فترات التاريخ ..وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة،كما يقود خطاها إلى النمو والرقي ..ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو.إننا نرى واقع البشرية النكد،ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه.ونرى.نرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاة تلوح للمكدودين في هجير الصحراء المحرق،والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان،ولكل معنى من معاني الإنسان! وأولى الخطوات في الطريق أن يتميز هذا المنهج ويتفرد،ولا يتلقى أصحابه التوجيه من الجاهلية الطامة من حولهم ..كما يظل المنهج نظيفا سليما.إلى أن يأذن اللّه بقيادته للبشرية مرة أخرى.واللّه أرحم بعباده أن يدعهم لأعداء البشر،الداعين إلى الجاهلية من هنا ومن هناك! ..وهذا ما أراد اللّه سبحانه أن يلقنه للجماعة المسلمة الأولى في كتابه الكريم وما حرص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمها إياه في تعليمه القويم ..
وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي اللّه الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها.واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها اللّه بها،وأخرجها للوجود من أجلها ..هاتان القاعدتان المتلازمتان هما:الإيمان.والأخوة ..
الإيمان باللّه وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة.والأخوة في اللّه،تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة،قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية،وفي التاريخ الإنساني:دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ،وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا،وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ:إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً،فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ،فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا.وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ،وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ،وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ،وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ:أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؟ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة،وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم.فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة،ولم يكن هنالك دور لها تؤديه:ركيزة الإيمان والتقوى أولا