فهرس الكتاب
غابرين،يتأمل الآتون بعدهم آثارهم ويتذاكرون أخبارهم،كما هم يتأملون آثار من كانوا قبلهم ويتذاكرون أخبارهم.وجدير بأن يوقظ الغافلين إلى اليد التي تدير الأعمار،وتقلب الصولجان،وتديل الدول،وتورث الملك،وتجعل من الجيل خليفة لجيل.وكل شيء يمضي وينتهي ويزول،واللّه وحده هو الباقي الدائم الذي لا يزول ولا يحول.
ومن كان شأنه أن ينتهي ويمضي،فلا يخلد ولا يبقى.من كان شأنه أنه سائح في رحلة ذات أجل وأن يعقبه من بعده ليرى ماذا ترك وماذا عمل،وأن يصير في النهاية إلى من يحاسبه على ما قال وما فعل.من كان هذا شأنه جدير بأن يحسن ثواءه القليل،ويترك وراءه الذكر الجميل،ويقدم بين يديه ما ينفعه في مثواه الأخير.
هذه بعض الخواطر التي تساور الخاطر،حين يوضع أمامه مشهد الدثور والظهور،والطلوع والأفول،والدول الدائلة،والحياة الزائلة،والوراثة الدائبة جيلا بعد جيل:
«هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ» ..وفي ظل هذا المشهد المؤثر المتتابع المناظر،يذكرهم بفردية التبعة،فلا يحمل أحد عن أحد شيئا،ولا يدفع أحد عن أحد شيئا ويشير إلى ما هم فيه من إعراض وكفر وضلال،وعاقبته الخاسرة في نهاية المطاف: «فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ.وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا.وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسارًا» .والمقت أشد البغض.ومن يمقته ربه فأي خسران ينتظره؟ وهذا المقت في ذاته خسران يفوق كل خسران؟!
الدرس الثاني:40 نفي الشركاء العجزة عن الله
والجولة الثانية في السماوات والأرض،لتقصّي أي أثر أو أي خبر لشركائهم الذين يدعونهم من دون اللّه،والسماوات والأرض لا تحس لهم أثرا،ولا تعرف عنهم خبرا: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ» أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ؟ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ؟ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا».
والحجة واضحة والدليل بيّن.فهذه الأرض بكل ما فيها ومن فيها.هذه هي مشهودة منظورة.أي جزء فيها أو أي شيء يمكن أن يدعي مدع أن أحدا - غير اللّه - خلقه وأنشأه! إن كل شيء يصرخ في وجه هذه الدعوى لو جرؤ عليها مدع.وكل شيء يهتف بأن الذي أبدعه هو اللّه وهو يحمل آثار الصنعة التي لا يدعيها مدع،لأنه لا تشبهها صنعة،مما يعمل العاجزون أبناء الفناء! «أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ؟» ..ولا هذه من باب أولى! فما يجرؤ أحد على أن يزعم لهذه الآلهة المدعاة مشاركة في خلق السماوات،ولا مشاركة في ملكية السماوات.كائنة ما كانت.حتى الذين كانوا يشركون الجن أو الملائكة ..فقصارى ما كانوا يزعمون أن يستعينوا بالشياطين على إبلاغهم خبر السماء.أو