هو هول العذاب الذي لا يعلم إلا اللّه نوعه وموعده.ولا يملك إلا اللّه كشفه ودفعه: «لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ» ..وبينما الخطر الداهم قريب.والنذير الناصح يدعوكم إلى النجاة.إذا أنتم سادرون لاهون لا تقدرون الموقف ولا تفيقون.
«أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ؟ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ؟ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ...» ..وهذا الحديث جد عظيم يلقي على كاهل الناس واجبات ضخمة وفي الوقت ذاته يقودهم إلى المنهج الكامل.
فمم يعجبون؟ ومم يضحكون؟ وهذا الجد الصارم،وهذه التبعات الكبيرة،وما ينتظر الناس من حساب على حياتهم في الأرض ..كله يجعل البكاء أجدر بالموقف الجد،وما وراءه من الهول والكرب ..وهنا يرسلها صيحة مدوية،ويصرخ في آذانهم وقلوبهم،ويهتف بهم إلى ما ينبغي أن يتداركوا به أنفسهم،وهم على حافة الهاوية: «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» .
وإنها لصيحة مزلزلة مذهلة في هذا السياق،وفي هذه الظلال،وبعد هذا التمهيد الطويل،الذي ترتعش له القلوب:ومن ثم سجدوا.سجدوا وهم مشركون.وهم يمارون في الوحي والقرآن.وهم يجادلون في اللّه والرسول! سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلو هذه السورة عليهم.وفيهم المسلمون والمشركون.ويسجد فيسجد الجميع.مسلمين ومشركين.لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان ..ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون! بهذا تواترت الروايات.ثم افترقت في تعليل هذا الحادث الغريب.وما هو في الحقيقة بالغريب.فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب! هذا الحادث الذي تواترت به الروايات.حادث سجود المشركين مع المسلمين.كان يحتاج عندي إلى تعليل.قبل أن تقع لي تجربة شعورية خاصة عللته في نفسي،وأوضحت لي سببه الأصيل.
وكنت قد قرأت تلك الروايات المفتراة عما سمي بحديث الغرانيق،الذي أورده ابن سعد في طبقاته،وابن جرير الطبري في تاريخه.وبعض المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ،فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ،ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ...إلخ» ..
وهي الروايات التي قال فيها ابن كثير - جزاه اللّه خيرا - «ولكنها من طرق كلها مرسلة.ولم أرها مسندة من وجه صحيح» .
وأكثر هذه الروايات تفصيلا وأقلها إغراقا في الخرافة والافتراء على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عُرْوَةَ،قَالَ:وَتَسْمِيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ:عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ،وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ،وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ،وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ،وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو،وَوَلَدَتْ لَهُ