تعالجه النصوص.بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا.فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانية،ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعا فإذا قررت لنا أمرا فهو المقرر كما قررته! ذلك أن ما نسميه «العقل» ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية والغيبية هو إفراز واقعنا البشري المحدود،وتجاربنا البشرية المحدودة.وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيد بمفردات التجارب والوقائع بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد وراء ذواتها،إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري.وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند اللّه.
والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا.ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها.ومن ثم لا يصلح أن يقال:إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله - كما يرد كثيرا في مقررات أصحاب هذه المدرسة.وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة.ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن.ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا،وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها،وتجاه الحقائق الكونية الأخرى ..ونعود من هذا الاستطراد إلى سورة الفيل،وإلى دلالة القصة ..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) }
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ؟» ..وهو سؤال للتعجيب من الحادث،والتنبيه إلى دلالته العظيمة.
فالحادث كان معروفا للعرب ومشهورا عندهم،حتى لقد جعلوه مبدأ تاريخ.يقولون حدث كذا عام الفيل،وحدث كذا قبل عام الفيل بعامين،وحدث كذا بعد عام الفيل بعشر سنوات ..والمشهور أن مولد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان في عام الفيل ذاته.ولعل ذلك من بدائع الموافقات الإلهية المقدرة! وإذن فلم تكن السورة للإخبار بقصة يجهلونها،إنما كانت تذكيرا بأمر يعرفونه،المقصود به ما وراء هذا التذكير ..
ثم أكمل القصة بعد هذا المطلع في صورة الاستفهام التقريري كذلك: «أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟» ..أي ألم يضل مكرهم فلا يبلغ هدفه وغايته،شأن من يضل الطريق فلا يصل إلى ما يبتغيه ..ولعله كان بهذا يذكر قريشا بنعمته عليهم في حماية هذا البيت وصيانته،في الوقت الذي عجزواهم عن الوقوف في وجه أصحاب الفيل الأقوياء.لعلهم بهذه الذكرى يستحون من جحود اللّه الذي