إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40)
فنأخذ في الدرس الأول: «كاف.ها.يا.عين.صاد» ..هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور،والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن،فيجيء نسقا جديدا لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات،ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن.
وبعدها تبدأ القصة الأولى.قصة زكريا ويحيى.والرحمة قوامها.والرحمة تظللها.ومن ثم يتقدمها ذكر الرحمة: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» ..
تبدأ القصة بمشهد الدعاء.دعاء زكريا لربه في ضراعة وفي خفية: «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا.قالَ:رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا،وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا.وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا،فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا،يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ،وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» ..
إنه يناجي ربه بعيدا عن عيون الناس،بعيدا عن أسماعهم.في عزلة يخلص فيها لربه،ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال: «رب ..» بلا واسطة حتى ولا حرف النداء.وإن ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البث،ويحتاج إلى الشكوى.واللّه الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر،فيستحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم. «وَقالَ رَبُّكُمُ:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق،ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه،ولا يخيب من يتوكل عليه.
وزكريا يشكو إلى ربه وهن العظم.وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن.فالعظم هو أصلب ما فيه،وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه.ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبا.والتعبير المصور يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأس كله كأنما تشمله هذه النار المشتعلة،فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد.ووهن العظم واشتعال الرأس شيبا كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يعرض عليه حاله ورجاءه ..
ثم يعقب عليه بقوله: «وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا» معترفا بأن اللّه قد عوده أن يستجيب إليه إذا دعاه،فلم يشق مع دعائه لربه،وهو في فتوته وقوته.فما أحوجه الآن في هرمه وكبرته أن يستجيب اللّه له ويتم نعمته عليه.فإذا صور حاله،وقدم رجاءه،ذكر ما يخشاه،وعرض ما يطلبه ..إنه يخشى من بعده.يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه.وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها - وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين - وأهله الذين يرعاهم - ومنهم مريم التي كان قيما عليها وهي تخدم المحراب الذي