فهرس الكتاب

الصفحة 4753 من 4997

فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة! ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر.إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني.وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما.

وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس،واللّه أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون! فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحا،وقطع طريقه إلى ربه كدحا - ولكن في المعصية والإثم والضلال - يعرف نهايته،ويواجه مصيره،ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء.فيدعو ثبورا،وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء.وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به،يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه.حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه.وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا [1]

فإنما هي التعاسة التي ليس بعدها تعاسة.والشقاء الذي ليس بعده شقاء! .. «وَيَصْلى سَعِيرًا» ..وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه ..وهيهات هيهات!

وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعا إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء ..

«إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا.إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» ..وذلك كان في الدنيا ..نعم كان ..فنحن الآن - مع هذا القرآن - في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيدا في الزمان والمكان! «إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا» ..غافلا عما وراء اللحظة الحاضرة لاهيا عما ينتظره في الدار الآخرة،لا يحسب لها حسابا ولا يقدم لها زادا .. «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» إلى ربه،ولن يرجع إلى بارئه،ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئا للحساب! «بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا» ..

إنه ظن أن لن يحور.ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعا على أمره،محيطا بحقيقته،عالما بحركاته وخطواته،عارفا أنه صائر إليه،وأنه مجازيه بما كان منه ..وكذلك كان،حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم اللّه.

والذي لم يكن بد أن يكون! وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح - في صورة من صور الكدح - تقابلها صورة ذلك السعيد،وهو ينقلب إلى أهله مسرورا في حياة الآخرة المديدة،الطليقة،الجميلة،السعيدة،الهنيئة،الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء.

الدرس الثالث:16 - 19 القسم بمشاهد الكون على تغيير أحوال الناس

(1) - شرح ديوان المتنبي [ص 3] ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت