فهرس الكتاب
بها في مرات سابقة كان ما قدره اللّه ولم يقف الناموس في وجه هذا القدر الجديد ..ذلك أن الناموس الذي تندرج تحته كل النواميس هو طلاقة المشيئة بلا قيد على الإطلاق،وتحقق الناموس في كل مرة يتحقق فيها بقدر خاص طليق ..وإلى هنا كان إبراهيم - عليه السلام - قد اطمأن إلى رسل ربه،وسكن قلبه بالبشرى التي حملوها إليه.
ولكن هذا لم ينسه لوطا وقومه - وهو ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه والساكن قريبا منه - وما ينتظرهم من وراء إرسال الملائكة من هلاك واستئصال.وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودود لا تجعله يطيق هلاك القوم واستئصالهم جميعا: « فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ.إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ» .والحليم الذي يحتمل أسباب الغضب فيصبر ويتأنى ولا يثور.والأوّاه الذي يتضرع في الدعاء من التقوى.
والمنيب الذي يعود سريعا إلى ربه ..وهذه الصفات كلها قد دعت إبراهيم أن يجادل الملائكة في مصير قوم لوط وإن كنا لا نعلم كيف كان هذا الجدال لأن النص القرآني لم يفصله،فجاءه الرد بأن أمر اللّه فيهم قد قضي وأنه لم يعد للجدال مجال: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا،إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ،وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ» ..ويسكت السياق.وقد سكت - ولا شك - إبراهيم ..
ويسدل الستار على مشهد إبراهيم وزوجه ليرفع هناك على مشهد حافل بالحركة والانفعال مع لوط.وقوم لوط في مدن الأردن:عمورية وسدوم.
«وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا،وَقالَ:هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ!» ..
لقد كان يعرف قومه.ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين.إذ يتركون النساء إلى الرجال،مخالفين الفطرة التي تهتدي إلى حكمة خلق الأحياء جميعا أزواجا،كي تمتد الحياة بالنسل ما شاء لها اللّه.والتي تجد اللذة الحقيقية في تلبية نداء الحكمة الأزلية،لا عن تفكير وتدبير،ولكن عن اهتداء واستقامة.
والبشرية تعرف حالات مرضية فردية شاذة،ولكن ظاهرة قوم لوط عجيبة.وهي تشير إلى أن المرض النفسي يعدي كالمرض الجسدي.وأنه يمكن أن يروج مرض نفسي كهذا نتيجة لاختلال المقاييس في بيئة من البيئات،وانتشار المثل السيئ،عن طريق إيحاء البيئة المريضة.على الرغم من مصادمته للفطرة،التي يحكمها الناموس الذي يحكم الحياة.الناموس الذي يقتضي أن تجد لذتها فيما يلبي حاجة الحياة لا فيما يصادمها ويعدمها.والشذوذ الجنسي يصادم الحياة ويعدمها،لأنه يذهب ببذور الحياة في تربة خبيثة لم تعد لاستقبالها وإحيائها.بدلا من الذهاب بها إلى التربة المستعدة لتلقيها وإنمائها.ومن أجل هذا تنفر الفطرة السليمة نفورا فطريا - لا أخلاقيا فحسب - من عمل قوم لوط.لأن هذه الفطرة محكومة